الشيخ البهائي العاملي

202

الكشكول

المتوقع ، والحزن على الواقع ، وفيه نظر لقوله تعالى : إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ « 1 » ويمكن أن يدفع بأنّ المراد أنه يحزنني قصد ذهابكم به وبهذا يندفع اعتراض ابن مالك على النحاة بالآية الكريمة في قولهم : إنّ لام الابتداء تخلص المضارع للحال كما لا يخفى . صورة كتاب كتبه الغزالي من طوس إلى الوزير السعيد نظام الملك ، جوابا عن كتابه الذي استدعاه فيه إلى بغداد يعده فيه بتفويض المناسب الجليلة إليه ، وذلك بعد تزهد الغزالي ، وتركه تدريس النظامية . بسم اللّه الرحمن الرحيم : ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات . اعلم أنّ الخلق في توجههم إلى ما هو قبلتهم ثلاث طوائف : إحداها العوام الذين قصروا نظرهم على العاجل من الدنيا ، فمنعهم الرسول « ص » بقوله ما ذئبان ضاريان « 2 » في زريبة غنم بأكثر فسادا من حب المال والسرف في دين المرء المسلم ، وثانيها الخواص ، وهم المرجحون للآخرة العالمون بأنها خير وأبقى العاملون لها الأعمال الصالحة فنسب إليهم التقصير بقوله « ص » : الدنيا حرام على أهل الآخرة والآخرة حرام على أهل الدنيا ، وهما حرامان على أهل اللّه تعالى . وثالثها الأخص وهم الذين علموا أنّ كلّ شيء فوقه شيء آخر فهو من الآفلين والعاقل لا يحب الآفلين ، وتحققوا أنّ الدنيا والآخرة من بعض مخلوقات اللّه تعالى وأعظم أمورهما الأجوفان : المطعم ، والمنكح ، وقد شاركهم في ذلك كل البهائم والدواب فليست مرتبة سنية فأعرضوا عنهما وتعرضوا لخالقهما وموجدهما ومالكهما ، وكشف عليهم معنى واللّه خير وأبقى وتحقق عندهم حقيقة لا إله إلا اللّه وأنّ كلّ من توجه إلى ما سواه فهو غير خال عن شرك خفي فصار جميع الموجودات عندهم قسمين : اللّه ، وما سواه ، واتخذوا ذلك كفتي ميزان وقلبهم لسان الميزان . فكلما رأوا قلوبهم مائلة إلى الكفة الشريفة حكموا بثقل كفة الحسنات ، وكلما رأوها مائلة إلى الكفة الخسيسة حكموا بثقل كفة السيئات ، وكما أنّ الطبقة الأولى عوام بالنسبة إلى الطبقة الثانية كذلك الطبقة الثانية عوام بالنسبة إلى الطبقة الثالثة فرجعت الطبقات الثلاث إلى طبقتين ، وحينئذ أقول : قد دعاني صدر الوزراء من المرتبة العليا إلى المرتبة الدنيا وأنا أدعوه من المرتبة الدنيا إلى المرتبة العليا التي هي أعلى عليين : والطريق إلى اللّه تعالى من بغداد ومن طوس ، ومن كل المواضع واحد ليس بعضها أقرب

--> ( 1 ) سورة يوسف الآية ( 13 ) ( 2 ) ضري الكلب بالصيد : تعوده وأولع به .