ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

56

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

الفكر والنظر ، ولكن لإدراكها وجه آخر يسمّى الوجه الخاص ، وهو ارتفاع حكم النسب الجزئية والصفات التقليديّة من العالم العارف حال تحققه بمقام : « كنت سمعه وبصره » « 1 » ، فمن كان الحق سمعه وبصره وجميع قواه فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، وفي المرتبة التي فوقها المجاوزة لها المختصّة بقرب الفرائض ، وقد ثبت عند أرباب الكشف أن الأمر كان ما كان ما يدرك منه إلا وجه ما به الاشتراك لا ما به الامتياز ، فإذا أراد عالم علم شيء فتوصّل إليه بوجه المضاهات ، وعلم ذلك الشيء بنفسه في نفسه ؛ لأن الإنسان الكامل مضاه للحق والخلق ، فإنه يتنزّل إلى أسفل سافلين من مقام أحسن التقويم ؛ لأنه على الصورة الإلهية ، وله الأوليّة والآخريّة وذلك لتمكنه في مقام الجمع الأحدي الذي صحّت له المحاذاة والمحاكات والمطابقات . وصورته أن الإنسان برزخ « 2 » بين الحضرات الإلهية والكونية ونسخة جامعة لهما ،

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 2384 ) بنحوه . ( 2 ) قال سيدي علي وفا في المسامع : البرزخ وسط حاجز ، وحجر محجور بين الدنيا والآخرة ، ينتهي بالحصول في آخرها ، وأول الأول خيره في حق كل أهل مستقر حصولهم في مستقرهم . وقال : وصورة البرزخ هيكل جسماني ليس في استعداده أن تنكشف فيه النفس المدركة ، إلا بإدراك تخيله وإحساسه عكس الدنيوي ، وهذا الإدراك حقيقة البرزخ ، وصورة الأخرى هيكل جسماني ليس في استعداده أن تنكشف فيه النفس المدركة إلا بإدراك تخيله وإحساسه ، متكافئان متلازمان ، وهذا الإدراك هو حقيقة الآخرة ، ومظهر كل صورة من هذه الصور زمانها ومكانها . فالدنيوي مهما أحسه تخيله بلا عكس ، والبرزخي عكسه ، والأخروي مهما تخيله أحسه ، ومهما أحسه تخيله ، فأمره دائم لهذا التلازم ، ومتعلقات كل إدراك هم بحكمه من حيث هي متعلقاته ، فإدراك النبات والجماد والأجنة والنوام والموتى ، وأصحاب المكاشفات الكونية كلها إنما هو إدراك برزخيّ ، وأما الإدراك النبوي المحمّدي حيث أظهر لجلسائه في إحساس ما ظهر في إحساسه من الأشباح الملكية فكان أخرويّا ، وأما من أحسّ شيئا من ذلك بنفسه فكشفه برزخي ، ولولا انتقال استعداد من أحسّ ما لا يحسه جلساؤه إلى الحكم البرزخي لم يكشف ذلك ، ومن هنا يطّلع المتبصر على الأسرار ، فافهم .