ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

57

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

ولما اشتملتا عليه حرفا حرفا ، فليس شيء من الأشياء إلا وهو مرتسم في مرتبته التي هي عبارة عن جمعيه ، والمتعين مما اشتملت عليه نسخة من وجوده ، وحوتها مرتبته في كل وقت وحال ، ونشأة ، وموطن إنما هو ما يستدعيه حكم المناسبة التي بينه ، وبين ذلك الحال ، والوقت ، والنشأة ، والموطن ، وأهله كما هو سنّة الحق من حيث نسبة تعلقه بالعالم ، وتعلّق العالم به ، فمهما لم يتخلّص الإنسان من ربقة قيود الصفات الجزئيّة الحاكمة عليه على الوجه المذكور ، فلا يدرك بها إلا ما يقابلها من أمثالها ، وما تحت حيطتها لا غير ، فإذا تجرّد من أحكام القيود ، وتخلّص من زيوف الميول والمجازيات الانحرافية الأطرافية الجزئيّة ، وانتهى إلى مقام الاعتدالي إلى الجمعي الوسطي الذي هو نقطة المسامية الكليّة ، ومركز الدائرة الكبرى الجامعة لمراتب الاعتدالات كلها المعنويّة والروحانيّة والمثاليّة والحسبيّة المشار إليها ، واتّصف بالحال الذي حررناه ، قام للحضرتين في مقام محاذاته المعنويّة البرزخيّة ، فواجهها بذاته كحال النقطة مع كل جزء من أجزاء المحيط ، وقابل كل حقيقة من الحقائق الإلهية والكونية بما فيه منها من كونه نسخة من جملتها ، ومع كل شيء له نسبة ثابتة لا جرم فيها ما يقتضي الانجذاب من نقطة الوسط الذي هو أحسن تقويم إلى كل طرف ، والإجابة لكل داع ، فأدرك بكل فرد من أفراد نسخة وجوده ما يقابلها من الحقائق في الحضرتين ، فحصل له العلم المحقق بحقائق الأشياء وأصولها ومبادئها ؛ لإدراكه لها في مقام تجريدها ، ثم أدركها من حيث جملتها وجمعيتها بجملته وجمعيته ، فلم يختلف عليه أمر ، ولم ينتقض عليه حال ولا حكم ، ولولا القيود الكمالية لاستمرّ حكم هذا الشهود ، وظهرت أثاره على المشاهد على الاستمرار والدوام ، ولكن الجمعية التامة الكمالية تمنع من ذلك ؛ لأنها تقتضي الاستيعاب المستلزم للظهور بكل وصف ، والتلبّس بكل حال وحكم ، فالثبات على هذه الحالة الخاصة المذكورة وإن جلّ فالمرور عنه أجلّ ؛ لأنه يقدح فيما ذكرناه من الحيطة الكماليّة والاستيعاب الذي ظهر به الحق تعالى من حيث هذه الصورة العامة الوجوديّة التّامة التي هي الميزان الأتم ، والمظهر الأكمل الأشمل الأعم ، فافهم .