ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
525
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
حكى الشيخ رضي اللّه عنه في « الفتوحات » عن هذا المقام ، وقال : إنه مرّ عليّ وقت أؤدّي فيه الصلوات الخمس ، إما بالجماعة على ما قيل لي بإتمام الركوع والسجود وجميع أركانها وآدابها ، وأنا في هذا كله لا علم لي بذلك ؛ لشهود غلب عليّ غيبت عني ، وأخبرت إليّ ، كنت أقيم الصلاة وأصلي بالناس ، وكانت حركاتي كحركات النائم الذي لا علم له بذلك ، فعلمت أن اللّه تعالى حفظ عليّ وقتي . انتهى كلامه رضي اللّه عنه . فالذي لم يستمر فإذا زال الوارد رجع بحسبه وعقله ، وهذا أكمل المراتب في هذا الطريق ، وهو للأنبياء والرسل والوارثين ، صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين . ومنهم من يكون وارده وتجلّيه مساويا لقوّته ، فلا يرى عليه أثر من ذلك حاكم عليه ، وحاله إمّا كحال جليس يكون معك في حديث ، فيأتي شخص آخر يشغله عنك في ذلك ، وإمّا كرجل يحدّثك فأخذته فكرة في أمر ، فصرف حسّه عنك إليه في خياله ، فجمدت عينه ونظره وأنت تحدّثه ، وهو غير قابل لحديثك ، فتشعر أنه مشغول باطنه ، متفكّر في أمر صارف ، ومنهم من يكون قوته أقوى من الوارد ، فإذا أتاه وهو معك بالحديث وأنت لا تدري به . قال الشيخ رضي اللّه عنه في الباب الرابع والأربعين من « الفتوحات » : إنه ما ثمّ أمر رابع في واردات الحق على قلوب أهل هذه الطريقة ، وهي مسألة غلط فيها بعض أهل الطريق في الفرق بين النبي والولي ، فقال : إن الأنبياء يصرفون الأحوال والأولياء تصرفهم الأحوال ، فالأنبياء مالكون لأحوالهم ، والأولياء مملوكون لأحوالهم ، وليس الأمر فيه غير ما فصّلناه ، فافهم . ( يتصرفون بحكم الطبيعة ) ؛ لأنهم بقوا في عالم الشهادة بروحهم الحيواني يتصرفون في ضروراتهم الحيوانيّة تصرف الحيوان المفطور على العلم بمنافعه ومضاره المحسوسة من غير تدبير منهم ، ولا رويّة ، كما في نشأة أهل السعادة في الجنان وهو دار الحيوان ، فإنه لا يبقى في تلك النشأة إلا النفس الحيوانية ، بها تكون اللذة لأهل النعيم . انتهى كلامه .