ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
524
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
وها هنا تفصيل آخر سأفصّله لك تفصيلا إن شاء اللّه تعالى ؛ لتكون على إجمال فيما نحن فيه على بصيرة ، وهو أن تعلم أن الناس في هذا المقام على ثلاثة أصناف ، وما ثمة مرتبة رابعة ، منهم من يكون ورده أعظم من القوة التي في نفسه عليها ، فتحكم : أي مقام الهيمان الوارد عليه ، فيغلب عليه الحال ، فيكون بحكمه يتصرف الحال ، ولا تدبير له في نفسه ما دام في ذلك الحال ، فإن استمرّ عليه إلى آخر العمر ، فذلك المسمّى في هذه الطريقة بالمجذوب الأبتر ، مأخوذ عنه بالكلية ، ك أبي عقال المغربي ، قيل : إنه ما أكل وما شرب من حين أخذ إلى أن مات ، وذلك من مدة أربع سنين بمكة المشرفة ، فهو مجنون مستور ، كأنهم الذين أشار إليهم صلى اللّه عليه وسلم في حديث طويل في أشراط الساعة ، وخروج الدجال : « وأنه يجئ على الناس القحط والجذب حتى يموت كل ذي ظلف ، فقيل : يا رسول اللّه ، فما يعيش بقية الناس ؟ فقال : عيشهم التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ، يجري ذلك مجرى الطعام » « 1 » رواه أبو إمامة ، ذكره السخاوي في كتابه المسمّى بالقناعة . ومن هذا المقام حكى الشيخ رضي اللّه عنه في « الفتوحات » : إنه قيل لسهل بن عبد اللّه : ما القوت ؟ قال : اللّه ما نريد إلا ما تقع به الحياة « 2 » قال : اللّه فلم ير إلا اللّه ، فلمّا ألحّوا عليه ، قالوا : إنما لنريد به عمارة هذا الجسم ، فهم إنهم ما فهموا ، فقال : دع الدار إلى بانيها ؛ إن شاء عمّرها ، وإن شاء أخربها ، وإن لم يستمر إلى آخر فيمسك عقله هناك ، ويبقي عليه عقل حيواني ، فيأكل ويشرب ويتصرف من غير تدبير منه ولا رويّة ، فهؤلاء يسمّون العقلاء المجانين ؛ لتناولهم العيش الطبيعي بحكم الطبع كسائر الحيوانات .
--> ( 1 ) ذكره السخاوي في القناعة ( بتحقيقنا ) . ( 2 ) قال سيدي محمد وفا رضي اللّه عنه وعنّا به : الحياة هي على الحقيقة إبدال أوصاف المبقي بنعوت المبقي وهي ببقاء لا بإبقاء ، وحقيقتها : ثبوت يمنع الحادث من التغيير ، وتمكين يجرّد الممكن عن صفة نفسه ، وغايتها : قيام يمتنع انقطاعه ، ووجود يستحيل عدمه ا ه .