ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
500
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
وأيضا كل علم حصل بالابتلاء ، كما قال عن نفسه تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ [ محمد : 31 ] . وهذا لإقامة الحجة ، فإنّه يعلم ما يكون قبل أن يكون ؛ لأن علمه في ثبوته ، ومن هذا الذوق : أي وفق ( لنبلونكم ) . قال مجذوب : وأمّا أنا فعرفته ، وأما هو فلا أدري أنّه عرفني أم لا : أي عرفني مجاهدا أم لا ؛ لأن علمه تابع للمعلوم ، والمعلوم : أي كونه مجاهد إما ظهر بالنسبة إلى هذا القائل في ذلك الوقت ، فلا يتعلق به العلم إلا بحسب ما هو المعلوم عليه . وبيان ذلك أنّ العلم المطلق من حيث التعلق بالمعلومات ينقسم إلى علم يأخذه الكون من اللّه بطريق التقوى ، وهو قوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ البقرة : 282 ] ، وقوله تعالى : إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً [ الأنفال : 29 ] ، وهو علم الإفراد . قال تعالى في خضر عليه السلام : وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] ، وهو علم التقوى ، وإلى علم يأخذه اللّه من الكون عند ابتلائه إياه بالتكليف ، وهو قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [ محمد : 31 ] ، فلو لا الاشتراك في الصورة ما حكم على نفسه بما حكم على خلقه من حدوث التعلّق مع قدم العلم . وهذا التفصيل من نتيجة العلم بالتحقيق بالصورة ، فإذا ظهر العبد على الصورة فلا يفوته شيء ؛ لأنّه حقيقي ، « اتق اللّه حق تقاته « 1 » » ، وإذا ظهر الحق بصورة الإنسان الحيواني في مقام الحيواني في مقام : جعت فلم يطعمني في الحال الذي لا يكون الإنسان في صورة الحق ، كان الحكم عليه كالحكم على صورة الإنسان الحيواني الذي ليس على صورة .
--> ( 1 ) رواه الترمذي ( 3 / 714 ) ، والنسائي ( 6 / 126 ) .