ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

488

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

--> - ولا تقل أن العبد حقا إذا كان عين الحق ولم يكن مغايرا له ، فمن أين القرب والبعد ؟ ؛ لأن هذا الواحد هو يصير قريبا من جهة ، وبعيدا من جهة ، ويكون مشهودا وشاهدا كذلك ؛ لأن جهاته متعددة ، وتأمل قوله تعالى على لسان نبيه صلى اللّه عليه وسلم : « كنت سمعه وبصره » ما ذكره من القوى الظاهرة . وقوله في التوراة : نريد أن نخلق خلقا شبيها بشمائلنا وصورتنا ، وليس في الذات ولا في الصفات تشبيه بالاتفاق ؛ لأنه ليس كمثله شيء فما بقي إلا أن يكون هو الظاهر بنفسه ، وذكر الشبيه نظير قول القائل : مثلك لا يبخل ، وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « خلق اللّه تعالى آدم على صورته » . وقال الشيخ قدّس سرّه في فصوصه في هذا الباب شعرا : فمن ثمة وما ثمة * وعين ثمة هو ثمة فمن قد عمّه خصّه * ومن قد خصّه عمّه فما عين سوى عين * فنور عينه ظلمه فمن يغفل عن هذا * يجد في نفسه غمّه ولا يعرف ما قلنا * سوى عبد له همّة فأنكر في هذه الأشعار وقوع الماهيات والأشخاص من ذي العقول وغيرهم ، وحكم بأن كل عين تعين بتعين مخصوص في الواقع فهو الحق بعينه فيه ، وحكم بأن كل من أطلقه عن القيود ، ونزهه عنها خصه الإطلاق وإن كل من أخصه عمّه أي : كل من حكم بأن ذلك المطلق هو الذي يختص بتلك القيود حكم بإطلاقه الذاتي ، ونزهه عن الإطلاق المقابل للتقييد ، فليس عين في الوجود يكون سوى عين آخر ، وليس إلا عين واحد ، فالغافل عن هذا جاهل بما هو الأمر عليه في نفسه ، والجاهل مغموم ، والعارف بهذا صاحب الهمّة القوية العالية الذي لا يقنع بالظواهر ، ولا يقف عند مبلغ علماء الرسوم ، بل يرفع حجب التعيينات ولا يرضى إلا باللب ؛ لأنه لب ، واللب يذكر اللب قال اللّه تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ [ الزمر : 21 ] . وقال في موضع آخر : لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [ ق : 37 ] . وما قال في موضع : لمن كان له عقل ، فهو قيد يقيد الموصوف به بما يؤدي إليه فكره ونظره ، ويقال : عقل البعير بالعقال أي : قيده به ، وعقل الدواء البطن فهو قيد لغة وحقيقة ، فليس في القرآن ذكرى لمن كان له عقل ؛ لأنه مقيد بما قيده به فكره ، وإن رأى في القرآن ما يخالف ما يؤديه فكره يؤوله إلى معنى يوافق ما أدى إليه فكره ، وأوّلوا ( الألباب ) ، ومن له قلب لا يؤولون -