ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

489

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

المشهد هو الذي طلب صلى اللّه عليه وسلم في قوله : « اللهم أرنا الباطل باطلا » .

--> - شيئا ولا ينكرون شيئا ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل . فما أوسع قلب العارف حيث أنه بإطلاقه مقابل لإطلاق الحق ، والحق أوسع وأعظم ؛ لأنه غير متناهي ، والقلب يسعه على ما ثبت بالحديث القدسي ، وما يسع الغير المتناهي غير متناهي أيضا ، وفي هذا قال سلطان الزاهدين ورأس العارفين وإمام الواصلين أبو يزيد البسطامي قدس سره : « لو أن العرش وما حواه من السماوات والأرض وما بينهما وما فيها مائة ألف ألف مرة وقع في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحسّ بها ؛ لأن العرش وما فيه متناهي ، ولا قدر للمتناهي بالنسبة إلى غير المتناهي » . وقال الشيخ الأكبر قدس سره : بل قلب العارف لو وقع في زاوية من زواياه ما لا يتناهى وجوده مما وجد ويوجد إلى الأبد بفرض انتهاء وجوده ولو كان مستحيلا ؛ لأن غير المتناهي لا يحاط به مع التي هي واسطة في إيجاده وهو الحق المخلوق به الخلق أشار إليه بقوله تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ [ الحجر : 85 ] . ما أحسّ بذلك حال كونه منطويا فيما بين معلومات ، واستدل لما قاله بقوله : فإنه قد ثبت بحديث : « لا يسعني أرضي ولا سمائي ، ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن » . إن القلب وسع الحق لاستعداده للتجليات الأسمائية والذاتية الغير المتناهية واحدا بعد واحد ، ومع ذلك لا يقنع بما حصل له فلا يروى ؛ إذ كل تجل يورث له استعدادا آخر إلى غير النهاية . فالعارف في كل زمان يطلب الزيادة من التجلي ؛ لأنه ليس له نهاية يقف التجلّي عندها فلا يقع بعدها تجلّي آخر ، وكذا يطلب بلسان الاستعداد زيادة العلم بالحق فيقول : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] ، فلا الطالب من العبد يتناهى ، ولا التجلي والإفاضة من الحق ، ومن هنا قال أبو يزيد البسطامي قدس سره : « الرجل يتحسى بحار السماوات والأرض ، ولسانه خارج يلهث عطشا » . وقال أيضا شعر : شربت الحبّ كأسا بعد كأس * فما نفذ الشّراب وما رويت فالعارف دائما عطشان ؛ لأنه لا يمتلئ ولو امتلأ ارتوى ، ومن إن قلب العارف باللّه وسع كل شيء ؛ لأنه وسع الحق تعالى ، فيكون وسعه له باعتبار العلم والشهود ، أو باعتبار الإحاطة والجامعية لها ، فإنها حقيقة للأشياء جامعة لها .