ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

454

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

--> - ويرقيه إلى التحقق ، ويوصله إلى التخلق ، وهناك يدرك الأسرار بطريق المنازلة والذوق ، ويأكل لا من تحت الأرجل بل من فوق ، وطريق التصوف عند السادة الصوفية ، كله تخلق بالأخلاق المصطفوية ، فمن زاد تخلقه زاد تصوفه ، والتخلق يحتاج إلى السلوك ، وهو يفتقر إلى المرشد العارف . قال الشعراني رضي اللّه عنه في الميزان : أما سلوكك بغير شيخ فلا يسلم غالبا من الرياء والجدال والمزاحمة على الدنيا ، ولو بالقلب من غير لفظ ، فلا يوصلك إلى ذلك ، ولو شهد لك جميع أقرانك بالقطبية فلا عبرة بها . وقد أشار إلى ذلك الشيخ محيي الدين في الباب الثالث والسبعين من الفتوحات فقال : « من سلك الطريق بغير شيخ ولا ورع عمّا حرّم اللّه فلا وصول له إلى معرفة اللّه تعالى ، المعرفة المطلوبة عند القوم ولو عبد اللّه تعالى عمر نوح عليه السلام » . ثم إذا وصل العبد إلى معرفة اللّه تعالى فليس وراء اللّه مرمى ولا مرقى بعد ذلك ، وهناك يطلع كشفا ويقينا على حضرات الأسماء الإلهية ، ويرى اتصال جميع أقوال العلماء بحضرة الأسماء ، ويرتفع الخلاف عنده في جميع مذاهب المجتهدين ؛ لشهود اتصال جميع أقوالهم بحضرة الأسماء والصفات ، لا يخرج عن حضرتها قول واحد من أقوالهم . وهذه المعرفة نتيجة التخلي عن الأخلاق الذميمة ، والتحلي بالأوصاف الكريمة ، فأثمرت التجلي بالأسرار العظيمة ، وفي الحديث : « الأخلاق مخزونة عند اللّه تعالى ، فإذا أراد اللّه تعالى بعبد خيرا منحه منها خلقا » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » . قال صاحب عوارف المعارف : « فالصوفية راضوا نفوسهم بالمكابدات والمجاهدات حتى أجابت إلى تحسين الأخلاق ، فنفوس العباد أجابت إلى الأعمال وجمحت عن الأخلاق ، ونفوس الزهّاد أجابت إلى بعض الأخلاق دون البعض ، ونفوس الصوفية أجابت إلى الأخلاق الكريمة كلها » . والثالثة : معرفة كنوز أسرار الذّات العليّة ، وهذه المعرفة خاصة بأكابر المحققين من الأولياء الرّاسخين . وطريق هذه المعرفة لا يكون إلا عن محض المنّة ، وكرامة صاحبها استقامته على نهج الكتاب والسّنة . قال أبو يزيد البسطامي قدّس اللّه سرّه : لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى تربّع في الهواء ، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة ، ولما قصد زيارة ذلك الرجل المشهور بالزهد ودخل المسجد ، رمى ببصاقه تجاه القبلة ، فانصرف ولم يسلّم عليه وقال : هذا غير مأمون على أدب من آداب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فكيف يكون مأمونا -