ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

455

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

--> - على ما يدّعيه ، فاتّباع القدم المحمدي نعمة وأي نعمة ، والزيغ عنه نقمة لا يماثلها نقمة ، فإن شؤم هلاك الدين لا يعادله شؤم ، نعوذ من ذلك باللّه الحي القيوم . وإذا نظرت بعين التحقيق في هؤلاء الزّنادقة المنابذين لأهل الطريق لم تر عندهم غير شقشقة اللسان الخالية عن الدليل والبرهان ، وإذا بحثت مع أحدهم أسفر وجهه عن أخلاق البغال بكلام أبرد من برد العجوز ؛ لتمثله في وصف النعال . ثم قال أيضا : وقد رأيت في بعض الرسائل حديثا مرفوعا وهو : « الشريعة مقالي ، والطريقة أفعالي ، والحقيقة حالي » . وعلى تقدير صحته فالشريعة : البيان ، وهو بالمقال وما ينطق عن الهوى وبالأفعال ، وهو أبلغ فاتبعون يحببكم اللّه ، والحال ما ينتجه البيان فعاد الأمر إليه . قال سيدي محيي الدين قدّس اللّه سرّه في كتاب « التراجم » في باب ترجمة الشريعة والحقيقة : لطيفة : يخيل لمن لا يعرف أن الشريعة تخالف الحقيقة ، هيهات بل الشريعة عين الحقيقة ، وأن الشريعة جسم وروح ، فجسمها الأحكام وروحها الحقيقة ، فما ثم إلا شرع لطيفة ، الشريعة : وضع موضوع وضعه الحق في عباده ، فمنه مسموع وغير مسموع ، فلهذا من الأنبياء متبوع وغير متبوع ، وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا [ الأنفال : 21 ] ، كمثل الذي ينعق بما لا يسمع . وقال في فتوحاته في باب الشريعة : الشريعة من جملة الحقائق ، فهي حقيقة لكن تسمّى شريعة ، وهي حقّ كلها ، والحاكم بها حاكم بحقّ مثاب عند اللّه ؛ لأنه حكم بما كلف أن يحكم به ، وإن كان المحكوم له على باطل ، والمحكوم عليه على حقّ ، فهل هو عند اللّه كما هو في الحكم ، أو كما هو في نفس الأمر ؟ فمنا من يرى أنه عند اللّه كما هو في نفس الأمر ، ومنا من يرى أنه عند اللّه كما هو في الحكم . ثم قال بعد كلام طويل : فعين الشريعة عين الحقيقة ، والشريعة حقّ كلها ، ولكل حقّ حقيقة ، فحق الشريعة وجود عينها ، وحقيقتها ما ينزل في الشهود منزلة شهود عينها في باطن الأمر ، فيكون في ذلك الباطن كما هي في الظاهر من غير مزيد ، حتى إذا كشف الغطاء لم يختل الأمر على الباطن . ثم قال : فما ثمّ حقيقة تخالف الشريعة ؛ لأن الشريعة من جملة الحقائق ، والحقائق أمثال وأشباه ، والشرع ينفي ويثبت ، فتقول : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وهذا قول الحقيقة بعينه ، فالشريعة هي الحقيقة . وأطال في ذلك . وقال فيها أيضا : ومن جملة آداب الحق ما نزلت به الشرائع . -