ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
453
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
ففسّر الحقيقة بالرؤية والنظر ، وجعله ب ( كأن ) ، فافهم . ( فلما مثل النبي صلى اللّه عليه وسلم النبوة بالحائط من اللبن ، وقد كمل سوى لبنة ، فكان صلى اللّه عليه وسلم لا يراها إلا كما قال : « لبنة واحدة » ) ؛ لأنه صلى اللّه عليه وسلم رأى حائط النبوة قد انختم بها ، ولا بدّ أن يكون أيضا لبنة فضة ، فإنها مبطونة الذهب ، وفي ظهورها ذهبا فتنة للعموم ، ومقام النبوة مقام رحمة عامة بلا فتنة ولا محنة ، فلا يقضي سوى رحمة خالصة . أما ترى إجراء اللّه العادة في العموم المعاملة بالفضة عامة ؛ لأنها أقرب إلى القبول ، بل يحتمل أن يكون بلدا وأناسا لا يقبلون الذهب في المعاملة ؛ وذلك لعدم الفهم ، وعدم الفهم به ، وهكذا أمر الولاية فإنها باطن النبوة ، وصورة الفضة كصورة الشريعة ، ظاهرها شريعة وباطنها حقيقة ، ولولا الشريعة وهي الصورة الفضية لانفضوا من حوله ، وتركوه قائما ، ولم يقبلوا إلا قليلا « 1 » .
--> ( 1 ) قال السيد مصطفى البكري في السيوف الحداد : اعلم أن الشريعة هي الباب واللباب ، التي تهدي إلى صواب الصواب ، وأول واجباتها معرفة رب الأرباب على طبق السّنة والكتاب ، وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام : معرفة عوام ، وخواص ، وخواص الخواص . فالأولى : معرفة ما يجب وما يجوز وما يستحيل في حقه تعالى ، وكذلك في حق رسله ، وهذه واجبة على كل مكلف ؛ لئلا يشتبّه عليه الحال فيقع في الخيال ، وليسلم من ورطة التقليد في التوحيد . قال صاحب الجوهرة : إذ كل من قلّد في التوحيد إيمانه لم يخل عن ترديد ، وكل من طلب الثانية ولم يحكم الأولى كان جاهلا باللّه ؛ فإنها أولى وأولى ، ويجب على صاحب هذه المعرفة أن يطلب العلم الواجب في حقّه ؛ ليكون ممن يعبد اللّه على بصيرة ، وإلا كان ما يهدم أكثر مما يبني . ففي الحديث : « ركعتان من عالم أفضل من سبعين ركعة من غير عالم » . والعالم العامل هو الورع المشار إليه بحديث : « ركعتان من رجل ورع أفضل من ألف ركعة من مخلط » . رواه الديلمي في مسند الفردوس عن أنس . وإلا فمع الجهل أين الورع . والثانية : معرفة آثار الأسماء والصفات ، وظهور أنوار تلك الآثار في القلب ؛ ليخلص صاحبه من الآفات ، وطريقها تسير الأوقات بالعبادات ، وتزكية النفس وترك المخالفات ، والجلوس على بساط الفقر والانكسار ، وشغل القلب بمراقبة العزيز الغفار ، والاقتداء بأستاذ شهدت بصحة عقيدته وكماله العارفون ، وأقرّت بحسن منازلاته ومواجيده الواصلون ، ليسلك به مقام التعلق ، -