ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
380
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
قوله تعالى : اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً [ النساء : 126 ] ومن أحاط به فقد حكم عليه ؛ لأنه ليس له منقذ مع وجود الإحاطة ، وهكذا الخليفة فهو قابض لجميع العوالم ، ولا يخرج من قبضة إحاطته شيء ، حتى آدم الإنسانيّ أبا البشر ؛ وذلك لأن آدم من حيث العنصرية جزاء من أجزاء العالم كسائر العوالم فالكل من أجزائه وصورة ذلك أنه ما من موجود سوى اللّه إلا وهو مرتبط بنسبة إلهيّة ، وحقيقة ربانية تسمّى أسماءا حسنى ، وكل ممكن في قبضة حقيقة إلهيّة وكلها في قبضة الكامل الخليفة ، بإقباض اللّه إيّاه فالكل في القبضة ، فافهم . ثم فصّل ما في القبضتين باعتبار اليدين ؛ أصحاب اليمين وأصحاب الشمال فقيل فيهما : أهل الجنّة وأهل النّار ، هو لا للجنّة ولا أبالي ، وهو لا للنّار ولا أبالي . قال رضي اللّه عنه : فلمّا رأيت آدم في الإسراء فقلت له يمين الحق يقضي بالسعادة قال : نعم فقد فرّق الحقّ بين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال فقال لي : يا ولدي ذلك يمين أبيك وشماله ، انتهى كلامه رضي اللّه عنه ، وجعل القبضة الواحدة فيها العالم سعيده وشقيّه في شماله ، وإنما قال العالم مطلقا ؛ لأنه سعيد وشقيّ . لما ورد في الأخبار الصحيحة : « إنّ جبل أحد مثلا من جبال الجنّة » « 1 » ، وجبل عير على وزن زيد وهو جبل في المدينة المشرّفة من جبال جهنم ، وهكذا حكم السعادة والشقاوة سار في العالم حتّى في الأمكنة والأزمنة كالمتمكنين ، والقبضة الأخرى فيه آدم وبنوه : أي من هذه القبضة من آدم الخليفة ، فيها آدم أبو البشر وبنوه . فلمّا كانت هذه القبضة من أثر مزج العجز الأوّل الإلهيّ ، الذي دخلت أحكامه بعضها في بعض من كل قبضة في أختها ، اختلطت أحكام السعادة والشقاوة والطيب والخبيث بحكم الجمعيّة التي فيه .
--> ( 1 ) رواه الطبراني في الكبير ( 17 / 16 ) ، وابن عدي في الكامل ( 6 / 58 ) بنحوه .