ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
381
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
وذلك ؛ لأنّ الصّفات قبل المزج لا تتصف بالشقاوة ولا بالسعادة لذاتها ، والذوات كذلك قبل الامتزاج لم تكن قبله ، فقيل هذا سعيد وهذا شقيّ وهذا طيب وهذا خبيث ، فانظر ما أحدث الامتزاج كسواد الحبر والمداد بامتزاج العفص والزاج ، فكل الآفات من التركيب والمزاج ، وجميع المصائب من الامتزاج واختلاط الأمشاج ، ونهاية الأمر وغاية السالك التّخلص من التركيب والرجوع إلى البساطة الأصلية ، والسّبك والفّك عن هذه القيود العارضة المتعارضة . كما قال أبو يزيد قدّس سرّه : إنه لا صفة له ، يشير إلى السّبك والتخلص على حكم الامتزاج ؛ لأنه أقيم في كل معقوليّة بساطته ، ولم ير مركبا مخلا للبساطة الأصلية ، ولكن هذا حال جائز وظل زائل ، فما ثمّة إلا مركّب يقبل الصّفات إمّا السعادة أو الشقاوة بحسب ما يقتضي مزجته وتركيبه ، فما في العالم إلا سعيد أو شقي ، وقد بيّن أسباب الخير والسعادة وطرقها وأسباب الشر والشقاوة وطرقها . لقوله تعالى : فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها [ الشمس : 8 ] يّميز الخبيث من الطيب ، فافهم . فلمّا تداخلت أحكام القبضتين ، وجهلت الأحوال تفاضلت الرجال باستخراج الخبيث من الطيب ، وتميّز الطيب من الخبيث ، فأراد تعالى الفرقان بين الطبقات ورؤية الغايات في البدايات بتخليص المزج وتميّز أهل القبضتين ؛ حتّى ينفرد كلّ بعالمه ، ويتميز الطائع من العاصي ؛ لتميز المراتب بأربابها ، فكل أحد يعرف حاله وماله وعاجله وآجله ، وكلّ أحد يعرف ماله عنده وما عليه من عنده ، بل تعلم من أنت ومن هو ، كما انفرد العالم وآدم من قبضتيّ الحق ومن هذا المقام . قال تعالى : لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [ الأنفال : 37 ] . فمن بقي فيه شيء من هذه المزجة غير متخلّص ، ومات عليها لم يحشر يوم القيامة من الآمنين ، ولكنّ منهم من يتخلّص في الحساب ، ومنهم بشفاعة الشافعين ؛