ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
374
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
وأمّا الإنسان الكامل من حيث طبيعته الحاضرة للمواليد كلها هو بمنزلة الأنثى لزوج معروف غير منكور ، وله ثلاث حالات معه قبول الولد والمخاض والولادة ، فيعرف في كل نفس ما يلقي إليه فيه ربّه وما يخرج منه إلى ربّه وما فيه مما ألقي فيه من ربّه ، فإنه مأمور بمراقبة أحواله مع اللّه تعالى في هذه الثلاث المراتب ، فالمحقق العارف يعرف زوجه ويعرف أنه بنكاح لا بسفاح بوليّ وشاهدين مع تلاوة : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [ الإخلاص : 4 ] غيره فيعرف ما يلد ومن يقتل ولده إذا ولد ومن يربّيه ؛ فلهذا السرّ : أي لأجل أنه أنثى لا يكون الكامل الفرد تحت الكامل ؛ لأن الفوقيّة للرجوليّة ، وليس فيهم رجل . قال رضي اللّه عنه من هذا الذوق في بعض أشعاره يناجي فيها ربّه : إنّا إناث لما فينا نولده فلنح * مد اللّه ما في الكون من رجل فنسمّى هذه الطائفة بالأفراد فافهم . فإن المعارف الإلهية على هذا النمط والأسلوب لا نجدها في غير كتب الشيخ رضي اللّه عنه فقوله تعالى : اتَّقُوا رَبَّكُمُ [ النساء : 1 ] والاتّقاء بمعنى جعل الشيء وقاية يندرج بها عن إصابة أسهم الحوادث والمكاره والأسوأ ، فلمّا ذكر رضي اللّه عنه التقوى يريد بيان التقوى ، فإنها أقسام : تقوى اللّه ، وتقوى النار ، وتقوى الحدود . وأمّا التقوى الذين نحن بصدد بيانها هي : تقوى اللّه ، فاعلم أنار اللّه تعالى بصائرنا وأصلح لنا سرائرنا وخلّص من الشبه أدلّتنا أنه لّما امتنّ اللّه علينا بالاسم الرحمن ، فأخرجنا من الشر الذي هو العدم إلى الخير الذي هو الوجود ، فينبغي أن لا ننسى أصلنا حتى لا ننسى فضله . ورد في الخبر : « إنما يعرف الفضل لأهل الفضل أهل الفضل » « 1 » رواه أنس . فمن جهل بنفسه ونسي أصله فهو بالغير أجهل ، وهذا داء ينبغي له دواء قبل الداء ،
--> ( 1 ) رواه القضاعي في مسنده ( 2 / 191 ) ، وذكره الديلمي في الفردوس ( 1 / 343 ) .