ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
375
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
كما هو عادة الحكماء الإلهيين ، فكان اللّه حفظ صحة آدم قبل قيام العلة به من ألطف الطّب ويسمّى هذا الفعل عند الأطباء : الاستظهار ، وأمر اللّه تعالى بالتقوى . كما ذكرناه أنزل الدواء قبل الداء ، فمن تحسّى منه برئ بإذن اللّه ، فأراد رضي اللّه عنه أن يذكر جنس الدواء ، ويحرر أوزانها ويقرر أوقاتها ، كما دأب الحكيم العليم . فقال رضي اللّه عنه : اجعلوا : أي بالإسناد إليكم ما ظهر منكم من الفواحش والمذام وقاية لربكم الذي هو باطنكم ، كما فعل الأديب الإلهي إبراهيم عليه وعلى نبيّنا السلام ؛ حيث أسند المرض إلى نفسه . وقال تعالى : وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [ الشعراء : 80 ] . ( واجعلوا ما بطن منكم وهو ربكم وقاية لكم ) فإن ظاهركم خلق وباطنهم حق فاسد ، والخير كله من المحامد إلى باطنكم ، كما جعلتم ظاهركم وقاية باطنكم في إسناد الشر ، فاجعلوا باطنكم وقاية ظاهركم في إسناد الخير . لما ورد في الخبر الصحيح أنّ اللّه تعالى يحب أن يمدح وفي حديث طويل : « وما من أحد أحب إليه المدح من اللّه من أجل ذلك وعد الجنة » « 1 » رواه الحاكم في المستدرك عن المغيرة بن شعبة رضي اللّه عنه . فالحق المحامد إليه ، كما تلحق المذام إلى نفسك ، كما هو فعل الأدباء ، وهو قوله تعالى : وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [ الشعراء : 80 ] وإنما عرّفنا اللّه تعالى بأهل الأدب وحكى لنا حكايته عليه السلام ؛ حتى نتأدّب بآدابه تعليما لنا وتنبيها وتعظيما له وتنويها . قال تعالى : ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [ النحل : 123 ] فلهذا كان صلى اللّه عليه وسلم يقول في الأدعية المأثورة معلّما لنا « والخير كله بيديك والشر ليس إليك » « 2 » فافهم .
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 200 ) ، ومسلم ( 4 / 2113 ) ، وأحمد في مسنده ( 1 / 425 ) . ( 2 ) تقدّم تخريجه .