ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
335
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
وأحكامهما ، وقدّم الهيبة وأخرّ الأنس ؛ لأن الاعتبار بالخواتيم ، فافهم . ( وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ) ويسمّى به من الأسماء المتقابلة ، وأوجد فينا مثلها ، وبيّن لنا أن في أرض العالم نجدين ؛ نجد التنزيه ، ونجد التشبيه ؛ وهما عالمان متقابلان في العلوّ ، وإن لكل سرّ في العالم وجهين بحكم القبضين من اليدين ، ولا بد من الدارين ، ولا بد من برزخ بين كل اثنتين . قال تعالى : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ [ الذاريات : 49 ] لأنه مخلوق عن صفتين إرادة وقول ؛ وهما اللذان شهدهما كلّ مخلوق من الحقّ ، فإن العالم نتيجة ، والنتيجة لا تكون إلا عن مقدمتين وهذا هو التناسل ؛ كوجود الابن بين الأبوين على صورة الأبوين ، فافهم . وهذا كله حتميّ بنا لا بأمر خارج عنا ؛ لأن الشيء لا يعرف إلا بما به الاشتراك ؛ إلا بما به الامتياز ، فافهم . ( فعبّر عن هاتين الصفتين والنسبتين المتقابلتين ) ؛ تقابل تنزيه وتشبيه باليدين ، وما هو إلا عين جمعه بين الصورتين ؛ صورة العالم ، وصورة الحق ؛ وهما يد الحق إذ بهما يتمّ الوجود وتكمل الأفعال والآثار للربوبية ، كما باليدين يتمكّن الإنسان من الأخذ والمنع ، قال تعالى : يَداهُ مَبْسُوطَتانِ [ المائدة : 64 ] : أي في العطاء والمنع . وفي الحديث : « الصدقة تقع في يد الرحمن » « 1 » كناية عن الأخذ والقبول اللتين توجهتا منه ؛ أي : من الحق تعالى . ( على خلق الإنسان الكامل ) . قال تعالى : ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ [ ص : 75 ] وإنما خصّ الإنسان الكامل ؛ لأن غيره ما خلق إلا بقول ( كن فكان ) كالملائكة عليهم السلام . ورد في الحديث الصحيح « إنّ الملائكة عليهم السلام قالوا : ربنا خلقتنا وما
--> ( 1 ) رواه الطبراني في الكبير ( 9 / 109 ) ، وذكره ابن كثير في تفسيره ( 3 / 225 ) .