ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
336
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
خلقت بني آدم فجعلتهم يأكلون الطعام ويشربون الشراب ويلبسون الثياب ويأتون النساء ويركبون الدواب وينامون ويستريحون ولم تجعل لنا من ذلك شيئا ، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة ، فقال تعالى : لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان » « 1 » رواه ابن عساكر . اعلم أن للحق في مشاهدة عباده إيّاه نسبتين : نسبة تنزيه ، ونسبة تشبيه فنسبة التنزيه تجليه في : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ، والنسبة الأخرى تجليه في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن تعبد اللّه كأنك تراه » « 2 » . وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه في قبلة المصلي » « 3 » . وقوله تعالى : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] ذاته . والأحاديث الواردة لو لم تستصحب بمعانيها الموضوعة لها المفهومة من الاصطلاح ، فما معنى قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [ إبراهيم : 4 ] ؟ فما وقعت الفائدة بذلك عند المخاطب لها خصوص العموم من الناس ، فإذا تقرّر عندك هاتين النسبتين للحق المشروعتين وأنت المطلوب بالتوجّه بقلبك وبعبادتك إلى هاتين النسبتين ، فلا تعدل عنهما إن كنت ناصحا نفسك ، فإن الإنسان ما جمع الحقائق المذكورة إلا بهاتين النسبتين ، فلمّا توجّهت هاتان النسبتان فخرج بنو آدم لهذا على ثلاث مراتب : ( كامل ) وهو الجامع للنسبتين ، أو ( واقف ) مع دليل عقله ونظره وفكره وهو المنزّه خاصة ، أو ( مشبه ) بما أعطاه اللفظ الوارد ، ولا رابع لهم . ف ( الاعتدال والكمال ) هو القول بالأمرين والاتصاف بالوجهين ؛ أعني الظهور بحقائق الأسماء الإلهية الوجوبية في حقائق الصفات الكونية على الكشف والعيان ، فلا
--> ( 1 ) رواه ابن أبي عاصم في السنة ( 2 / 496 ) . ( 2 ) رواه أحمد في مسنده ( 1 / 51 ) . ( 3 ) ذكره ابن قدامة في المغني ( 1 / 264 ) ، والشوكاني في نيل الأوطار ( 2 / 158 ) بنحوه .