ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

319

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

وأمّا تقلّب الحق في الأحوال فمعلوم بالاستواء والنزول والمعيّة والضحك والفرح والرضا ، وكل حال وصف به نفسه فهو يتقلّب فيها بالحكم وهو التحول في الصور ، فهذا الفرق بيننا وبين الحق تعالى وهو أوضح الفروق وأعلاها أن يكون الفروق بالحدود الذاتيّة التي بها يتميز الحق والخلق وحدود الكون بأسره هو الحد الذاتي بواجب الوجود ، هذا المشهد غاية العارفين وأهل الرؤية . قال تعالى : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [ يوسف : 76 ] فالعلماء باللّه فوق هذا الكشف والمشهد ، فإنهم في هذا المقام على حكم الحق فيه كما يرى المحجوب فينكرون النكرة ، ويعرفون المعرفة والحدود الذاتية عندهم للأشياء كالعامة ، فافهم . فإنهم أهل تمييز وصحو ، وأمّا أهل الرؤية قدّس سرّهم يحافظون على هذا المقام لسرعة نقلته من قلوبهم ، فإن من لم يستصحب الرؤية دائما مع الأنفاس لا يكون من هؤلاء الرجال . وهذا مقام من يقول غير اللّه قط ، وأمّا من عرف الحق ، والحق سمعه وبصره وجميع قواه عليه هذه الرؤية ؛ لأنه بقواه يرى الأشياء كما هي ، ويعلم الأمر كما هو فعرف بالحق والخلق ، ويرى الحدود الذاتيّة الفارقة للذوات حقا وخلقا . قال رضي اللّه عنه في الباب الحادي والخمسين وثلاثمائة : إن من لهذا المقام فلا يحاد به أحد في علمه باللّه ، فهذا هو العالم المميّز بالحد الذاتي والعالم الفارق الذي لا نقال عنه ، فافهم . ( وليس إلا افتقارنا إليه في الوجود ، وتوقف وجودنا عليه لا مكاننا ) . قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ [ فاطر : 15 ] فافهم أنه وصفنا بما وصف به نفسه ، توهم الاشتراك وهو لا اشتراك فيه ، فإن الرتبة قد ميزته فيقبل كل واحد ذلك الإطلاق على تعطّيه الرتبة التي يتميّز بها فإنّا نعلم قطعا أن الأسماء الإلهية التي بأيدينا تطلق علينا . كما قال تعالى في حق النبي صلى اللّه عليه وسلم : بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [ التوبة : 128 ]