ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
305
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
ولكن هو حق من وجه ، وذلك أنهم لّما رأوا أن المشاركة بين الحق والخلق ما يصح حتى في إطلاق الألفاظ عليه . فإذا قيل لهم : إنه موجود ، قالوا : ليس بمعدوم ، وإذا قيل : إنه عالم ، قالوا : ليس بجاهل . وهكذا جمع الصفات الثبوتيّة ، فإن الحادث موصوف به ولا مشاركة ، فافهم . قال رضي اللّه عنه في حضرة الحضرات من « الفتوحات » فإن الأصل التعرّي والتنزيه والتبرّي عن الصفات مطلقا ولا سيّما في اللّه . إذا كان أبو يزيد رضي اللّه عنه يقول : لا صفة لي فالحق أولى أن يطلق عن التقييد بالصفات لغنائه عن العالم ؛ لأن الصفات إنما تطلب الأكوان ، فلو كان في الحق ما يطلب العالم لم يصح كونه غنيّا عمّا هو طالب ، فافهم . وذكر رضي اللّه عنه في الباب الثامن والثلاثين وثلاثمائة من « الفتوحات » : فانظر حكمة اللّه تعالى في كونه لم يحصل له صفة في كتبه ، بل نزّه نفسه عن الوصف . فقال : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [ الأعراف : 180 ] فجعلها اسما ، ولم يجعلها نعوتا وصفاتا ولكن هي لنا نعوت وصفات يثني علينا بها . قال تعالى : بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [ التوبة : 128 ] وأذن لنا بالتخلّق في الأسماء الحسنى وهو عين ما قلنا ، ثم أثنينا به عليه ؛ لأنه حميد وله عواقب الثناء ، فأثنى اللّه على نفسه بها . وقال : « إن الكبرياء ردائي » « 1 » وهي صفة عبده وهو رداؤه ، فإنه من منزل ثناء الحق على نفسه بغناه عن خلقه بخلقه ، فافهم . إن هذا عين ما سيقوله رضي اللّه عنه في المتن بعد سطرين وهو قوله : فما وصفناه بوصف إلا كنّا نحن ذلك الوصف ، وهكذا الأمر لما كان استناد المستند إلى المستند لذاته ،
--> ( 1 ) رواه أبو داود ( 4 / 59 ) ، وابن ماجة ( 2 / 1397 ) ، وأحمد ( 2 / 248 ) بنحوه .