ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
236
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
لم يغلب عليه شبه خياليّة فكريّة ، يكون من ذلك فساد نظره ؛ لأن اللّه تعالى ما خلق للنفس آلة للإدراك غير العقل . ( بل هذا الفن ) : أي هذا الضرب من ( الإدراك ) « 1 » وهو إدراك الجمعيّة المذكورة في النشأة الطبيعية العنصريّة ، وإدراك حقائقها لا يكون إلا عن كشف إلهي : أي لا
--> ( 1 ) قال القونوي رضي اللّه عنه : اعلم أن تعين الحق سبحانه في مرتبة ظاهرتيه من وجه مغاير لشأنه الذاتي الغيبي في حضرة بطونه كما أشار إليه في كتابه العزيز ، ولنفس تعينه في حضرة الظهور والبطون درجات كل منها بالنسبة إلى ما قبله ظاهر ، وبالنسبة إلى ما بعده باطن ؛ شهدت بصحة ذلك العقول السليمة الأذواق الصحيحة والشرائع . فظهوره في مرتبة العقل الأول الذي هو القلم مخالف لظهوره في مرتبة اللوح ، وظهوره في مرتبة الأرواح التي تحت اللوح من حيث ما هي أرواح مجرّدة فقط ؛ مخالف لظهوره في عالم المثال المطلق بالمغيبات المثالية ؛ وظهوره ، في عالم المثال المطلق مخالف لظهوره في عالم الشهادة من حيث خصوص نفس الشهادة ؛ وظهوره من نفس الشهادة لا فيها فقط ؛ مخالف لظهوره في عالم الشهادة من حيث الحكم الجمعي الأحدي ، فإن تجلي الجمع الأحدي لا يحصل للكمّل إلا في عالم الشهادة ، والموطن الأرضي ، والنشأة العنصرية . فإذا عرفت هذا ، فاعلم أن درجات الإدراك تترتّب وتتفاوت بحسب درجات الظهور والبطون النسبية المشار إليهما وبالعكس أيضا ، وتحقّق المجموع ؛ أعني الظهور والبطون والدرجات ؛ إنما هي بحسب أحوال الأعيان الثابتة التي هي سبب تعينات الأسماء والصفات المنسوبة إلى الحق ، ولا تصحّ نسبتها إليه سبحانه في ذوق الكمّل إلا من حيث الأحوال ؛ فهي في الحقيقة كما قلنا أسماء الأحوال ويصدق في حقه سبحانه من حيث أنه ذو أحوال ، ولهذا جهَلها أكثر العارفين ؛ فضلا عن أهل العقل الرصين ، فإن التجليّات كل منها من وجه مخالف للآخر . وهذه المخالفة المذكورة في هذه القاعدة الكلية إنما تثبت وتحصل من الجهة التي تغاير بها الاسم المسمّى ، الصفة الموصوف ، فإن القدرة من حيث هي قدرة مغاير للإرادة من حيث هي إرادة ، وأما من حيث الذات الموصوفة بهما ، والمتعينة أيضا فيهما بحسبهما فلا تغاير ولا تعداد ، وهكذا الأمر في سائر الأسماء والصفات والأحكام والشؤون والدلالات .