ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

197

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

فإذا قلنا : إن العلم تابع المعلوم ولا أثر للعلم في المعلوم ، والمشيئة تابع للعلم ، والإرادة تابع المشيئة ، بل عين المشيئة في الخارج ، فيظهر رائحة الخير . قال تعالى : ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ ق : 29 ] ما شاء اللّه كان ، والمحال ليس بمشاء ، فكم يكن هذا القدير العزيز الحكيم ، والحكمة تمنع الحكيم أن يفعل بغير حكمة وإلا لم يكن حكيما وهو حكيم عالم ، فافهم الحق إنما قال رضي اللّه عنه : الحق ، ولم يقل اللّه ؛ لأن المشيئة عرش الذات الحق من المقام الأقدم ، واللّه اسم المرتبة من مقام القديم وهي الألوهيّة ، وعرشها الإرادة « 1 » .

--> ( 1 ) الإرادة : وهي لوعة في القلب . يريد قدس سره : قلب من تنبه للنهوض بقدم حاله إلى وجهته العليا في الحق ؛ وهي وجهة موليها ، وهي مختاره الأصلي ، ومستنده الغائي . وقد زاد قدس سره في معناها قيدا آخر ، وهو قوله في الفتوحات المكية : « ويحول بينه وبين ما كان عليه مما يحجبه عن مقصوده » . والإرادة في الحقيقة لا تتعلق دائما بالعدم ، فإنها صفة تخصص أمرا إما بحصوله ، أو وجوده ، كما قال تعالى وتقدس : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] . وشيئية المراد هنا شيئية الثبوت لا شيئية الوجود ، فإن قلت : قد تتعلق الإرادة بموجود لمحوه ، وإعدامه . قلت : هذه مشيئة الإرادة . كما قال تعالى : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ [ الرعد : 39 ] فلو تعلقت الإرادة بالموجود لتخصيص وجوده لزم تحصيل الحاصل ، فالمراد : حالة تعلق الإرادة به معدوم قطعا . فإن العقاب ، وملذوذ وجده بالعذاب ، حالة تعلق الإرادة به ، وكان معدوما في حقه ، فخصص ذلك بإرادته ليوجد في حقه ، فإذا وجد ، تعلقت إرادته باستمرار ما حصل ، وهو معدوم إذ ذاك ، فالإرادة إن نشأت في القلب على مقتضى غلبة الحكم القلبي فيطلقونها ويريدون بها إرادة التمني سواء تعلقت بالمطالب العالية أن الدانية ، ولذلك قال : وهي يعني إرادة التمني منه ، أي : من القلب يريدون بها أيضا . إرادة الطبع : إن نشأت من القلب على مقتضى غلبة حكم النفس عليه ، فإنها إذن تجديد إلى شبح الطبيعة القاضي بإتيانه اللذات العاجلة والآجلة أيضا ، كتقييد القلب مثلا في مناهج ارتقائه بلذات مشاهدة نتائج الأحوال في الحال ، أو نتائج الأعمال ، بحكم المجازاة في المال ، لذلك قال : « ومتعلقها الحظ النفسي فإن علة تقييد القلب هنالك وجود اللذة ، ويطلقونها ويريدون بها : إرادة الحق » . -