ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
156
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
آخر الخطبة بأن ما وقف عليه لا يسعه كتاب ولكن ما أظهر . ( إلا ما حدّه له صلى اللّه عليه وسلم ) : أي بحدود الألفاظ ، ورسوم قوالب العبارات المدوّنة المبوّبة المسمّاة بفصوص الحكم ، فإنه كتاب فصّلت آياته ، وخطاب بيّنت متشابهاته ، فمحكماته متشابهات ، ومتشابهاته محكمات من غير زيادة ولا نقصان ، ولو رام رضي اللّه عنه زيادة على ذلك ما استطاع ؛ لأنه غير مختار بل هو فيه مجبور مقهور ، فإنه الحضرة حضرة الأمانة ، فكما لا تقبل النقصان كذلك لم تقبل الزيادة فإن التصرّف بغير الإذن خيانة مع أن الزيادة في غير محلّها نقصان وجناية ، أما ترى أن الأصابع خمسة فإن زادت فالزائد منها نقص . ( وسألت اللّه ) فسأل الكل من الكل . قال تعالى : وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [ إبراهيم : 34 ] . قال رضي اللّه عنه في الباب السابع والستين وثلاثمائة من « الفتوحات » : إن من ينزل عن سؤال أعظم لذة من النزول عن غير سؤال ، فإن في ذلك إدراك البغيّة ، وذلة الافتقار ، وإعطاء الربوبيّة حقّها ، والعبودية حقها ، فإن العبد مأمور أن يعطي كل شيء حقه كما أعطي اللّه كل شيء خلقه . وفي العلم المنزل عن السؤال من علو المنزلة ما لا يقدّر قدره إلا اللّه ، وأما تعيين السؤال إذا كان فيما يرجع إلى أمر الدارين ، فليعين ما شاء ولا مكر فيه ، ولا تمايله هكذا ذكره الشيخ رضي اللّه عنه . ( أن يجعلني فيه ) : أي في الإبراز المذكور ، وفي جميع أحواله من عباده إنما قال : من عباده رغبة منه إلى مرتبة العبودية المحضة الخالصة ، فإنها أعلى مراتب العبد . قال رضي اللّه عنه : إذا أقامك الحق في مقام العبودية المطلقة التي ما فيها ربوبيّة فأنت خليفة له حقا ، فإنه لا حكم للمستخلف فيما ولي فيها خليفة عنه جملة واحدة والخليفة استقل بها استقلالا ذاتيا .