ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

157

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

قال تعالى في معرض المدح : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ [ الإسراء : 1 ] فجعله عبدا محضا ، وجرّده من كل شيء حتى يكون له كل شيء فأسري به ؛ ليكون يسري به فما أضاف إليه شيئا ، بل جعله مجبورا لاحظ له في الربوبيّة فافهم . ( الذين ليس للشيطان عليهم سلطان ) ، قال تعالى : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [ الإسراء : 65 ] . قال رضي اللّه عنه في « الفتوحات » : اعلم يا أخي إني اتبعت ما حكي عن إبليس من الحجج فما رأيت أقصر منه حجة ، ولا أجهل منه بين العلماء ، وإن يخصني في جميع ما يرقمه بتأني ، وينطق به لساني ، وينطوي عليه جناني بالإلقاء السبّوحي ، والنفث الروحي . ( السبّوح كالقدوس ) بمعنى : المسبّح كالمقدّس أسماء المفعول : أي الإلقاء المطهر عن التغيير في ذاته ، والنفث لغة بسكون الفاء والثاء المثلثة إرسال النفس بفتح الفاء رخوا وهنا عبارة عن إفاضة النفس الروحاني الذي يحيى بنفخة ، ومن عادة الروح ما يمر على محل إلا قد أحياه . في ( الروع والورع ) بضم الراء المهملة هو القلب وهو القوة التي طورها وراء طور العقل ، ينقلب بتقلب التجلّيات وهو برزخ بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء من رحمة إلى رحمة ، فافهم . ( النفسي ) قال تعالى : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها [ الشمس : 7 ، 8 ] فجعل النفس برزخا وسطا وحلا قابلا لما يلهم من الفجور والتقوى ، فتميز الفجور فتجتنبه ، والتقوى فتسلك طريقه ومن وجه آخر تطلبه الآية . ( وهو أنه إنما ألهمها عراها عن الكسب ) : أي عن ، أن يكون لها فيها كسب وتعمّل بل إنما هي محل ظهورهما ، فهي برزخ بين هذين الحكمين ، وأما الخاطر المباح مندرج في قوله : وما سوّاها ؛ لأن المباح ذاتي لها فبنفس ما خلق عينها ظهر عين المباح فهو من صفاتها النفسية التي لا تعقل النفس إلا به .