ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

149

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

اليقظة تناوله كما رؤياه ، أما سمعت أنه صلى اللّه عليه وسلم لما أسري به أتاه الملك بإناء فيه لبن ، وإناء فيه خمر ، فشرب اللبن فقال له الملك : أصبت الفطرة أصاب اللّه بك أمتك ، فجعله بمنزلة الرؤيا للنائم خيالا لا بد من تأويل فافهم . قال صلى اللّه عليه وسلم في الباب الثاني والسبعين وثلاثمائة من « الفتوحات » : إن ما في الكون كلاما لا يتأوّل ، ولا يعبّر عنه ولذلك . قال تعالى : وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ [ يوسف : 21 ] وكل كلام يصدق أنه حادث عند السامع فمن التأويل ، ما يكون إصابة لما أراد المتكلم بحديثه ، ومنه ما يكون خطأ عن مراده لا في نفس الأمر ، فإن ما من أمر إلا وله وجه صواب فيعرفه من يعرف المواطن وأحكامها ، والتأويل عبارة عما يؤوّل إليه ذلك ، والتعبير عبارة عن الحوز بما يتكلم به من حضرة نفسه إلى نفس السامع فهو ينقله من خيال إلى خيال ؛ لأن السامع يتخيله على قدر فهم فقد يطابق الخيال : أي خيال المتكلم خيال السامع ، وقد لا يطابق فإذا طابق سمّي فهما منه ، وإن لم يطابق فليس بفهم وإنما قصدنا بهذا الذكر أن يقرع أذنك ما أنت غافل عنه ، وهو معنى الحديث المشهور : « والناس نيام . . . . . » « 1 » الحديث . وإنّك خيال وكل ما تدركه خيال فالوجود كله خيال في خيال ، والوجود الحق إنما هو للّه خاصة من حيث ذاته لا من حيث أسمائه ، فإن الأسماء نسب والنسب لا عين لها . قال رضي اللّه عنه : والكل بحمد اللّه خيال في نفس الأمر ؛ لأنه لا ثبات له دائما على حال واحد والناس نيام ، وكل ما يراه النائم قد عرف ما يرى وفي حضرة ، فإذا ماتوا انتبهوا من هذا النوم في النوم فما برحوا في رؤيا ، فلم يزل الأمر كذلك ، ولا يزال في الحياة الدنيا والآخرة فافهم .

--> ( 1 ) تقدّم تخريجه .