ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
140
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
فإذا انكشف للعالم المكاشف خزائن الأعيان لا يخشى من الإنفاق ، أما ترى إشارة جوامع الكلم في خطاب المؤمنين وهو قوله سبحانه : قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ [ الإسراء : 100 ] . الممسوك عند العالم بالأعيان الثابتة ، وعارفها هو خشية الإنفاق : أي لا تخشون النفاد والقلة لا خزائن الرحمة ، فإنه ينفق بلا خشية إملاق ؛ لعلمه أن المخزون ينفد وما عند اللّه باق . ومن هذا المقام ما ورد في الخبر عن بلال رضي اللّه عنه أو عن غيره من الصحابة أنه قال له صلى اللّه عليه وسلم : « أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا ، فتبسّم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : بهذا أمرت » « 1 » ذكره القاضي عياض في « الشفاء » فافهم بالقيل الأقوم : أي الأبين المتوسط بين إفراط التنزيه وتفريط التشبيه . قال رضي اللّه عنه : لو أتى نوح عليه السلام ما أتى به النبي صلى اللّه عليه وسلم لأتته قومه ؛ لأنه عليه السلام جادلهم بالتي هي أحسن بالقول الأسدّ الأقوم وهو قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] . فإنه جمع التنزيه والتشبيه في آية واحدة ، بل في نصفها هذا من جوامع الكلم وفصل الخطاب جمع الأضداد ، وقطع الخصومة والعناد بخلاف نوح عليه السلام ، فإن دعوته تنزيه بحت فما قبل من الأمة إلا قليل ، وقد انقطع بعده بخلاف المحمديين فافهم . في الزيادة إلى نزول عيسى عليه السلام بل إلى يوم الدين فافهم ، وذلك من اعتدالهم وكونهم وسطا : أي لا إفراط فيهم ولا تفريط . قال اللّه تعالى : جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [ البقرة : 143 ] . سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم جمع اللّه سبحانه لاسمه الأشرف بين حروف الاتصال
--> ( 1 ) رواه الضياء في الأحاديث المختارة ( 1 / 181 ) .