ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

134

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

وهو أحدية الصراط المستقيم المحمّدي ، فإنه جامع الطرق كلها مع كثرتها ، وله أحدية تستهلك فيها الطرق كلها ؛ لأن شرعته صلى اللّه عليه وسلم عامة تتضمن جميع الشرائع ، بل شرعه عين جميع ما تقدّم من الشرائع بالزمان . قال تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى [ الشورى : 13 ] . وذكر الأنبياء في آية أخرى ، وقال : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] وهو الصراط الجامع إقامة الدين ، وأن لا يتفرّق فيه ، وما قال وبهم اقتده ؛ لأن الصراط له صلى اللّه عليه وسلم مساو لجميع الأنبياء الذين ذكرهم اللّه عليهم السلام ، فإن لكل نبيّ شرعة ، ومنها جاء كما ذكر فهو سبحانه نصب الشرائع ، وأوضح المناهج وذلك كله فيه صلى اللّه عليه وسلم وفي شرعه : وليس على اللّه بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد ومن هذا المقام قوله سبحانه : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ النحل : 120 ] . ( من المقام الأقدم ) : أي أقدم من القديم ، وهو أحديّة الذات التي هي منبع فيضان الفيض الأقدس على الأعيان الثابتة . وإنما قال رضي اللّه عنه : من المقام الأقدم ؛ لأن أحدية الذات أقدم من أحدية الأسماء المسمّاة بالواحديّة القديمة التي هي مرتبة الألوهية ، فافهم . ( وإن اختلفت الملل والنّحل لاختلاف الأمم ) قال تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ [ هود : 118 ] فما زلنا من الخلاف ؛ لأنهم : أي أهل التحقيق قد خالفوا المختلفين ، ولذلك خلقهم ، فما تعدّى كل خلق ما خلق له ، فالكل طائع في عين الخلاف .