ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

114

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

بعض أسرار بسم اللّه على العموم لا باعتبار خصوص المقام . اعلم أنه لما ثبت أن الأسماء الإلهية سبب وجود العالم ، وأنها المسلّطة عليه والمؤثّرة لذلك ، قال : بسم اللّه خير مبتدأ مضمر ، وهو ابتداء العالم وظهوره كأنه يقول ظهور العالم بسم اللّه الرحمن الرحيم ، فظهر به العالم ، واختصّت به ثلاثة من الأسماء ؛ لأن الحقائق تعطي ذلك ، فاللّه هو الاسم الجامع للأسماء كلّها والرحمة صفة عامة فهو رحمن الدنيا بها رحم كل شيء من العالم في الدنيا ، ولما كانت الرحمة في الآخرة لا تختص إلا بقبضة السعادة ، فانفرد عن أخيه في الآخرة ، فتمّ العالم بهذه الثلاثة الأسماء جملة في الاسم اللّه ، وتفصيلا في الاسمين الرحمن الرحيم . قوله : ( بسم اللّه ) : بالباء ظهر الوجود ، وبالنقطة تميّز العابد من المعبود ، قيل للشبلي قدّس سرّه أنت الشبلي ، قال : « أنا النقطة التي تحت الباء » « 1 » . وهو إشارة إلى وجود العبد بما تقتضيه حقيقة العبودية .

--> ( 1 ) كأنه يقول : بي قام كل شيء . فوجوده تعالى بذاته ، وصفاته كلها قائمة بذاته كوجود العالم كله علوه وسفله به ، وقائم بقيوميته ، وتدلّ أيضا على بهائه وبلائه لأنبيائه وأحبائه ، وفيها وجوه متعددة من الاستعانة والإلصاق ، والملابسة والتبعيض ، والظرفية والسببية كلها تعطي البقاء . ولذا قال الشيخ قدّس سرّه : فيها دعوى من حيث بقاء الرسم ، ولا تعطي الفناء مثل اللام فإذا قلت : « كتبت بالقلم » ، فقد أثبت نفسك كاتبا واستعنت على الكتابة بالقلم ، فالأشياء كلها ظهرت باستعانة الباء ، وهو السبب الذي عنه وجدت ومنه ظهرت وفيه بطنت ، وإليه إشارة الشبلي قدّس سرّه لمّا قيل له : أنت الشبلي فقال : أنا النّقطة التي تحت الباء ، وتعطي الإلصاق أيضا كما في « مررت بالمسجد » ، فكما قال اللّه تعالى : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [ البقرة : 17 ] ، فألصق الذهاب بالنور كإلصاق المرور بالمسجد ، والنور هو الباء والباء نور السماوات والأرض وهو الحق الذي قامت به ، وتعطي الظرفية كما في « صليت بالمسجد » . وكنا صادرون من فوقها ، وكنا موجودين فيها قبل وجود أعياننا ، وأمّا إعطائها التبعيض ؛ فلأن الذات وإن كانت واحدة لها وجهان الغيب والشهادة ، والظهور والبطون ، والأول والآخر وغير ذلك ، وكل من هذين الوجهين يصح أن يقال : أنّه بعض الذات ، فإن كشف الذات من حيث الشهادة لا من حيث الغيب ، والعلم بها من حيث الغيب لا من حيث الشهادة ، فلا يعاين من الذات إلا الوجه الواحد الذي يدلّ عليه الذي ظهر عليه ، ويغيب عنه الوجه الآخر ، فلا يشهد شاهد إلا بعض الذات بهذا الاعتبار ، وتكون الباء زائدة كما في كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً [ النساء : 79 ] .