عبد الوهاب الشعراني

244

القواعد الكشفية الموضحة لمعانى الصفات الإلهية

[ تأويل بعض آيات الصّفات الواردة في جنب الحقّ ] وقد حبّب لي أن أذكر لك تأويل بعض الصّفات « 1 » لتقيس عليها ما لم نذكره ، فمن ذلك حديث : " قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرّحمن " « 2 » : نظر العقل بما يقتضيه الوضع من الحقيقة والمجاز ، فوجد الإصبع لفظا مشتركا يطلق على الجارحة ، وعلى النّعمة ، تقول العرب : ما أحسن إصبع فلان ؛ يعني ماله ، فإذا كان الإصبع يحتمل الجارحة ، والنّعمة ، والثّناء الحسن ، فبأيّ وجه يحمل الإصبع على الجارحة في جانب الحقّ « 3 » ، ويترك وجه التّنزيه ؟ « 4 » . ومن ذلك القبضة واليمين : نظر العقل بما يقتضيه الوضع ، فعرف من وضع اللّسان العربيّ أنّ معنى ذلك أنّ الوجود كلّه في قبضته ، وتحت حكمه ، كما يقال : فلان في

--> ( 1 ) " د " ، " ب " : " بعض صفات " . ( 2 ) في سنن الترمذي : " يا أم سلمة ، إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع اللّه " . انظر : الترمذي في السنن ، كتاب الدعوات ( 3533 ) ، 5 / 310 ، وفي رواية أخرى : " إن القلوب بين إصبعين من أصابع اللّه " ، وفي رواية ثالثة : " إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن . . . " . أخرجه أحمد في المسند ، 2 / 168 ، 173 ، ومسلم في الصحيح ، كتاب القدر ، الباب 3 ، ( 17 / 2654 ) ، شرح صحيح مسلم ، 16 / 443 ، وابن ماجة في السنن ، المقدمة ، 13 ، وقد عرج عليه محيي الدين في الفتوحات في الباب الثالث ، وروايته فيه : " قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع اللّه " ، وفي ذلك يقول منزها الحق عن التشبيه والتجسيم : " وفي هذا الحديث أن إحدى أزواجه قالت له : أو تخاف يا رسول اللّه ؟ فقال - صلى اللّه عليه وسلم - : " قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع اللّه " ، يشير - صلى اللّه عليه وسلم - إلى سرعة التقليب من الإيمان إلى الكفر وما تحتهما ، . . . ، وهذا الإلهام هو التقليب ، والأصابع للسرعة والاثنينية لها خاطر الحسن ، وخاطر القبيح ، فإذا فهم من الأصابع من ذكرته ، وفهمت منه الجارحة ، وفهمت منه النعمة ، والأثر الحسن ، فبأي وجه تلحقه بالجارحة ، وهذه الوجوه المنزهة تطلبه ، فإما نسلم ونكل علم ذلك إلى اللّه - تعالى - وإلى من عرفه الحق ذلك من رسول مرسل ، أو ولي ملهم ، بشرط نفي الجارحة ولا بد ، وإما إن أدركنا فضول ، وغلب علينا إلا أن نرد بذلك على بدعيّ مجسم مشبه ، فليس بفضول ، بل يجب على العالم عند ذلك تبيين ما في اللفظ من وجوه التنزيه حتى تدحض به حجة المجسم المخذول " . انظر : محيي الدين ، الفتوحات المكية ، 1 / 149 . ( 3 ) " ك " ، " ز " : " الحق تعالى " . ( 4 ) " ز " : " التنزيل " ، وهو تصحيف ، والكلام مأخوذ من الفتوحات المكية ، 1 / 148 - 149 .