عبد الوهاب الشعراني

200

القواعد الكشفية الموضحة لمعانى الصفات الإلهية

- تعالى - قديم ، والعالم محدث ، فكما لا يتعقّل له « 1 » - تعالى - أينيّة قبل خلقه الخلق كلّهم ، فكذلك لا يكون له أينيّة بعد خلقه لهم ، وأمّا قوله - تعالى - : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ « 2 » فالأينيّة راجعة للخلق ، لأنّهم هم المخاطبون في الأين اللّازم لهم لا له تعالى ، فهو مع كلّ صاحب أين بلا أين لعدم مماثلته لخلقه بوجه من الوجوه . وقد قال في الباب الثّاني والسّبعين من " الفتوحات " « 3 » : اعلم أنّه ليست معيّة الحقّ - تعالى - لنا بأين ، فإنّ من لا أينيّة له لا يقبل المكان ، فهو مثل قولهم : المكان لا يقبل المكان ، فإذا كان لا أين لمن له أين « 4 » ، فكيف يكون الأين لمن لا أين له . وقال في الباب الثّامن والأربعين « 5 » : إنّما أمر اللّه - تعالى - الخلق بالسّجود ، وجعله مقام قربه بقوله : وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ « 6 » ، وبقوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - : " أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد " « 7 » ، إعلاما لنا بأنّ الحقّ - تعالى - لا يتحيّز ، فنسبة الفوقيّة إليه - تعالى - كنسبة التّحت إليه « 8 » على حدّ سواء ، فالسّاجد يطلب السّفل بوجهه ويديه ، لا يطلب من اللّه - تعالى - شيئا قطّ من جهة السّفل « 9 » ، وإن كان يعتقد فيه - تعالى - عدم التّحيّز ، لكنّ هذا مشهد الخلق مع ربّهم ، وقد زلّ نظر بعضهم من فوقيّة المكانة إلى شهود فوقيّة المكان ، فكان « 10 » يشهدها ، ثمّ يصرفها في الحال عن ذهنه بخلاف الأكابر ، فإنّهم ثبتوا شهودا « 11 » على فوقيّة المكان ، ولم يزلّوا ، فهم يسألون اللّه - تعالى - « 12 » من جهة

--> ( 1 ) " ك " : " يعقل " . ( 2 ) ( الحديد ، الآية 4 ) . ( 3 ) عنوان هذا الباب " في الحج وأسراره " . انظر : الفتوحات المكية ، 2 / 419 . ( 4 ) " ك " : " فإذا كان لا أين لأين من له أين " . ( 5 ) عنوان هذا الباب " في معرفة " إنما كان لكذا " ، وهو إثبات العلة والسبب " . انظر : الفتوحات المكية ، 1 / 395 . ( 6 ) ( العلق ، الآية 19 ) . ( 7 ) تقدم تخريجه . ( 8 ) " ك " : " إليه تعالى " . ( 9 ) انظر حديث محيي الدين في الفتوحات المكية ، 1 / 399 ، وقد تصرف الشعراني بالعبارة تصرفا ظاهرا . ( 10 ) " ك " ، " ز " : " فصار " . ( 11 ) " ك " ، " ز " : " ثبتوا على شهود " . ( 12 ) " د " ، " ز " : " تعالى " ليست فيهما .