عبد الوهاب الشعراني
175
القواعد الكشفية الموضحة لمعانى الصفات الإلهية
[ توهّم أنّ نزول البلاء على أهل محلّة العاصي ليس بعدل ] وممّا أجبت به من يتوهّم ، أو يخطر بباله أنّ نزول البلاء على أهل محلّة العاصي « 1 » ليس هو بعدل ، ويقول : كان الأولى نزول البلاء على العاصي وحده ، أو على من رضي بذلك من أهل محلّته دون من كان من أشدّ المنكرين عليه ، كما يقع في ذلك بعض المتجرّئين على اللّه تعالى ، كابن الرّاونديّ ومن تبعه « 2 » ، فيورث عند العامّة رائحة اعتراض على اللّه تعالى ، فالجواب أنّ نزول البلاء على أهل محلّة العاصي ، أو أهل بلد ، من جملة رحمة اللّه - تعالى - بالعاصين « 3 » ، فإنّ العقوبة لو أنزلها اللّه - تعالى - على العاصي وحده ، لكان فيها هلاك لغالب الأمّة ، فما منهم من أحد إلّا وربّما وقع في معصية بحسب مقامه ، وقال - تعالى - : وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ « 4 » ، فنرى الحقّ - تعالى - يوزّع ذلك البلاء النّازل بسبب المعصية على الألف من النّاس ، فيخصّ كلّ إنسان جزءا خفيفا بالنّسبة لما دفعه اللّه « 5 » عنه ، بل ربّما لا يكاد يحسّ به ، ولذلك قالوا : البلاء عامّ ، والرّحمة خاصّة ، فينزّل « 6 » اللّه - تعالى - على المطيع غالب
--> ( 1 ) " د " : " محلة " ساقطة . ( 2 ) أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الرّاونديّ ، وقيل : الرّيوندي ، نسبة إلى " راوند " من قرى " أصبهان " ، فيلسوف مجاهر بالإلحاد ، من سكان بغداد ، صاحب تصانيف في الحط على الملة ، وقد وصم بالزندقة ، يلازم الرافضة والملاحدة ، كان أولا من متكلمي المعتزلة ، ثم تزندق ، فكان لا يستقر على مذهب ، ولا يثبت على حال ، طلبه السلطان فهرب ، ولجأ إلى ابن لاوي اليهودي بالأهواز ، وصنف في مقامه " الدامغ للقرآن " ، وقيل إنه صنف لليهود كتاب " البصيرة " ردا على الإسلام لأربعمائة درهم ، أخذها من يهود سامراء ، قيل إنه صنف مائة وأربعة عشر مصنفا ، وللعلماء على بعض مصنفاته ردود ، قيل إنه مات مصلوبا ، وهو ابن ثمانين سنة ( 298 ه ) ، وقد اختلف في سنة وفاته . انظر ترجمته : ابن خلكان ، وفيات الأعيان ، 1 / 112 ، والذهبي ، سير أعلام النبلاء ، 9 / 34 ، والعباسي ، معاهد التنصيص ، 1 / 155 ، وابن العماد ، شذرات الذهب ، 2 / 235 ، والبغدادي ، هدية العارفين ، 5 / 55 ، والزركلي ، الأعلام ، 1 / 267 ، وبروكلمان ، تاريخ الأدب العربي ، 3 - 4 / 419 ، وعمر كحالة ، معجم المؤلفين ، 3 / 322 . ( 3 ) " ك " ، " ب " ، " ز " : " المعاصي " . ( 4 ) ( فاطر ، الآية 45 ) . ( 5 ) " ك " ، " ز " : " اللّه تعالى " . ( 6 ) " ك " : " فيقول " ، وهو تصحيف لا يستقيم به المعنى .