عبد الوهاب الشعراني
97
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
لقلة مجالستهم للعلماء فإذا بيّنا لهم مرتبة وجوب الزكاة ولم يخرجوا هجرناهم وجوبا لقوله تعالى : فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ [ التوبة : 11 ] . ومفهومه أن من لم يقم الصلاة ولم يؤدّ الزكاة فليس هو من إخواننا في الدين ، ولا يخفى حكمه فو اللّه لقد صارت أفعال غالب الخلق كأفعال من لا يؤمن بيوم الحساب ، ولا بما توعد اللّه تعالى عليه عباده ، فإن من لم يكن عنده ما توعده اللّه عليه أو وعده من الأمور المغيبة عنه كالحاضر فإيمانه مدخول . وتأمل يا أخي لو أن السلطان أوقد نارا لمانع الزكاة ، وقال إن لم تخرج زكاتك أحرقتك في هذه النار كيف يخرجها ولا يتوقف أبدا ؟ ولو قال له صديقه لا تخرج زكاتك لا يطيعه ، وذلك لشهود النار وتعذيبه بها عاجلا غير آجل ، فهكذا فليكن الأمر فيما توعد به الحق تعالى عباده على لسان رسوله صلى اللّه عليه وسلم . ثم تأمل يا أخي في تسمية اللّه تعالى إخراج الإنسان حق اللّه تعالى في ماله زكاة : أي نموا وزيادة تعرف أن ذلك إنما هو امتحان لمن يدعي الإيمان ، وتصديق اللّه عز وجل فيما أخبر به هل يصدقه في زيادة المال إذا أخرج حق اللّه منه ، ويكون في شهوده كالزيادة أم لا ؟ وتأمل لو جلس يهودي بشكارة ذهب وقال لكل من مر عليه من المؤمنين كل من أعطى هذا الفقير درهما أعطيته دينارا ، كيف يتزاحم الناس على إعطاء هذا الفقير ، لأجل زيادة العوض ؟ وقد قال اللّه تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [ البقرة : 261 ] وقال تعالى : وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [ سبأ : 39 ] وقال صلى اللّه عليه وسلم : « ما نقص مال من صدقة » . فليمتحن المدعي للتصديق بكلام اللّه ورسوله نفسه ، فإن رآها لا تمل من الإعطاء أبدا للفقراء ولو طلبوا منه جميع ما معه أعطاه لهم فليحكم لها بكمال الإيمان ، وإن رآها تمل من ذلك فليحكم عليها بنقص الإيمان ، وربما كان أحدهم يعطي الفقراء لكثرة ما جرب من إضعاف التوسعة عليه كما أعطى ، فهذا عبد تجربة ، فربما كان الحادث له على العطاء كون الحق تعالى يخلف عليه أضعاف ما أعطى ، والمؤمن الكامل من أعطى عباد اللّه تعالى امتثالا لأمر اللّه لا لعلة إخلاف اللّه عليه ولا غير ذلك ، اللهم إلا أن يريد بكثرة الإعطاء كثرة الإنفاق في مرضاة اللّه تعالى فهذا لا مانع منه ، وربما كان الإنسان يخف عليه إعطاء الدينار للسائل أول مرة ، ثم إذا طلب منه السائل دينارا ثانيا أعطاه لكن ببعض ثقل ، ثم إذا سأله ثالثا أعطاه بثقل لكن أعظم من الثاني ، وهكذا حتى ربما لا يصل إلى الدينار العاشر ومعه بقية داعية للعطاء ، فلو أن مثل هذا كان كامل الإيمان لكان آخر دينار في الخفة عليه كأول دينار على حد سواء في الخفة . وقد أخبرني الشيخ جمال الدين ابن شيخ الإسلام زكريا أن الشيخ فرج المجذوب