عبد الوهاب الشعراني

84

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

تشريعا لأمته ليستسنوا به ، وإلا فاعتقادنا أنه صلى اللّه عليه وسلم لا ذنب له في نفس الأمر ، إنما هو ذنب تقديري . ولا يخفى أن التوبة من جملة المقامات المستصحبة للعبد إلى الممات لقوله تعالى : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ النور : 31 ] . فلا يستغني عنها مؤمن ، ولو ارتفعت درجته حتى يدخل الجنة فتنقضي حضرة اسمه تعالى التواب لزوال التكليف ، وقد يكون حكم التواب في الجنة كحكمه قبل وجود التكاليف ، فيكون توابا بالقوة لا بالفعل حقيقة . واعلم أن من فضائل الصلاة أن العبد إذا وقف بين يدي اللّه عز وجل نادما مستغفرا لا يرده اللّه إلا مقبول التوبة التي هي الرجوع إلى كشف الحجاب بعد أن كان محجوبا حتى وقع في الذنب ، فإذا رفع حجابه وجد اللّه تعالى فاعلا دون العبد إلا بقدر نسبة التكليف فقط ، وهناك يخف ندمه ضرورة قهرا عليه ، ولو أراد أن يندم كما كان في حال الحجاب لا يصح له وثم مقام رفيع ومقام أرفع ، ولولا أن في شدة الندم تعظيم أوامر اللّه تعالى وتعظيم الوقوع في المخالفات لكانت شدة الندم إلى الشرك أقرب ، وذلك لأنه يؤذن بترجيح كونه فاعلا دون الحق ، فمن رحمة اللّه تعالى بالعبد أن حبسه في مقام شركة نفسه مع اللّه تعالى في الفعل حتى يحكم ذلك المقام قبل أن ينقله إلى ما فوقه . فإن قيل : إن الأكابر من الأنبياء بكوا حتى نبت العشب من دموعهم . وبكى آدم حتى صارت دموعه بركة ماء يشرب منها الدواب والهوام نحو ثمانين سنة كما ورد ، وهؤلاء لا يتصور في حقهم أنهم يرون شركة نفوسهم في الفعل مع اللّه تعالى إلا بقدر نسبة الفعل إليهم لأجل التكليف ، وذلك القدر ضعيف جدا لا يبكون لأجله الدم ولا الدموع الكثيرة ، وهذا الأمر هو بالأصالة للأنبياء ، لأن النبوة تأخذ بدايتها من بعد منتهى الولاية . فالجواب : إن بكاء كل داع إلى اللّه تعالى إنما هو تشريع لقومه ، فيجري اللّه تعالى عليه صورة الندم حتى لا يسأل يوم القيامة عن تفريطه في شيء من أحوال قومه التي كلفه اللّه تعالى ببيانها لهم ، ولا عن بيان كيفية خروجهم من ذنوبهم إذا وقعوا فيها ، ويحتمل أن يكون بكاء الأكابر من باب الفتوة على قومهم فحملوا عنهم ببكائهم ذلك البكاء الذي كانوا مأمورين به بعد وقوعهم في الذنوب ، فكانت تلك البركة التي نشأت من بكاء آدم عليه السلام هي دموع بنيه التي كانت متفرقة فيهم ودفعها عنهم ، وهذا ما ظهر لي في هذا الوقت من الجواب عن الأكابر ، فعلم أن أحدا لا يستغني عن الاستغفار سواء كشف له الحجاب أو لم يكشف فإنه إن شهد له مدخلا في شركة الفعل فالواجب عليه سؤال المغفرة ، وإن لم يشهد له مدخلا فيه ، فالواجب عليه أيضا سؤال المغفرة قياما بواجب نسبة التكليف إليه كما قال أبونا آدم عليه الصّلاة والسّلام مع معرفته بما الأمر عليه من القضاء المبرم الذي لا مرد له : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [ الأعراف : 23 ] .