عبد الوهاب الشعراني
673
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
[ النهي عن التهاون بالوقوع في الكذب : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نتهاون بالوقوع في الكذب من غير تثبت ، سواء كان قولا أو فعلا ظاهرا أم باطنا كأن يدعي أحدنا مقام التقريب عند اللّه تعالى ، وأنه محل أسراره وأنه يشفع في أهل عصره أو إخوانه يوم القيامة من غير أن يطلعه اللّه تعالى على ذلك من طريق الكشف الصحيح الذي لا يدخله محو ، وهذا العهد قد كثرت خيانته من غالب أهل هذا العصر حتى من بعض المشايخ الموجودين فيه فيقول أحدهم لصاحبه إذا جاءك الشيطان فتوجه إلي وقل يا فلان أدفعه عنك ، مع أن نفس الشيخ ربما كان إبليس راكبه هو ليلا ونهارا لا يكاد ينزل عنه بل بعضهم يقول إذا جاءك منكر ونكير أو زبانية جهنم فقل أنا من جماعة فلان فإنهم يتركونك ونحو ذلك من الهذيانات ، وقد استتر الأولياء أصحاب القدم وتركوا ناسا مثل هؤلاء لعلمهم بخروج الأشياء عن موضوعاتها الآن كالمقثأة إذا خرجت وأطلقوا فيها البهائم ، وو اللّه لا ينبغي للعبد الآن أن يدعي مقام الإسلام التام المشار إليه بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده » . فإن غالب الناس إذا أنصفوا يعلمون من أنفسهم أن المسلمين لم يسلموا من لسانهم ولا من يدهم فضلا عن سوء الظن بهم فيلزم العبد الألفاظ التي لا تشعر بكمال فإنها إلى الصدق أقرب . وقد سئل الشيخ ذو النون المصري رضي اللّه عنه عن الصدق في الطريق ما هو فأنشد يقول : قد بقينا مذنبين حيارى * نطلب الصّدق ما إليه سبيل فأين هذا من قول بعض أهل الزمان أنا القطب الغوث ويمدح نفسه بذلك في الملأ ، وأين هذا أيضا من قول الحسن البصري سيد التابعين لمن قال له رأيتك البارحة في الجنة أما وجد إبليس أحدا يسخر به غيري وغيرك ؟ وأين هذا أيضا من قول مالك بن دينار لما قيل له اخرج معنا للاستسقاء فأبى ومال : إني أخاف أن تمطر عليكم حجارة بسبب وقوفي معكم ، وكان إذا أملى الحديث فمرت به سحابة يقطع التحديث ويقول : حتى تمر هذه السحابة فإني أخاف أن يكون فيها حجارة ترجمنا بها . وكان يقول واللّه لو حلف شخص أنني ما أخاف اللّه ولا يوم الحساب فقلت له لا تكفر عن يمينك صدقت فإن أفعالي تصدق ذلك ، وأين هذا أيضا من قول معروف الكرخي رضي اللّه عنه واللّه إني لأنظر إلى أنفي في كل يوم كذا وكذا مرة مخافة أن يكون قد أسود من سوء ما أتعاطاه ، وكان كثيرا ما ينظر في المرآة إذا قام من النوم وربما حسس على وجهه بيده ويقول أخاف أن يكون اللّه عز وجل قد حول وجهي وجه خنزير ، وأين هذا أيضا من قول سيدي الشيخ عبد العزيز الديريني لما طلبوا منه كرامة واللّه يا أولادي ما عندي الآن كرامة أكرمني اللّه بها أعظم من إمساك الأرض ولم يخسفها بي حين أمشي عليها ، وو اللّه يا أولادي لقد استحقينا الخسف