عبد الوهاب الشعراني
654
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
حق من كثر دعاؤه إلى اللّه تعالى فإن حكم غضبه على تلامذته حكم غضب راعي الغنم إذا غضب على غنمه من شدة شتاتهم وتركهم في البرية للذئب والسبع بعد أن كان تعب فيهم من حين كانوا يرضعون اللبن ، وذلك معدود بيقين من سخافة العقل . فاسلك يا أخي على يد شيخ ناصح يخرجك عن رعونات النفوس ويلطف كثائفك حتى تكاد تلحق بالملائكة ، لتصير تتحمل من رعيتك جميع الصفات المخالفة لأغراضك ولا تتأثر واللّه يتولى هداك . وقد روى البخاري : « أنّ رجلا قال للنّبيّ صلى اللّه عليه وسلم أوصني قال لا تغضب فردّد مرارا قال لا تغضب » . وروى الإمام أحمد عن بعض أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : فكرت في قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الغضب ما قال فإذا الغضب يجمع الشر كله . وروى الإمام أحمد وابن حبان في « صحيحه » : « أنّ ابن عمر سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما يباعدني من غضب اللّه عزّ وجلّ قال لا تغضب » . وروى الترمذي مرفوعا : « إنّ بني آدم خلقوا على طبقات ، ألا وإنّ منهم البطيء الغضب سريع الفيء ، ومنهم سريع الغضب سريع الفيء فتلك بتلك ، ألا وإنّ منهم سريع الغضب بطيء الفيء ، ألا وخيرهم بطيء الغضب سريع الرّجوع وشرّهم سريع الغضب بطيء الرّجوع » . وروى البخاري تعليقا : « من صبر عند الغضب وعفا عند الإساءة عصمه اللّه وخضع له عدوه » . وروى الطبراني مرفوعا : « من دفع غضبه دفع اللّه عنه عذابه » واللّه أعلم . [ النهي عن مشاجرة أحد من المسلمين أو هجره أو مدابرته إلا بوجه شرعي : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نشاجر أحدا من المسلمين ولا نهجره ولا ندابره إلا بوجه شرعي . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى طول مجاهدة وسلوك على يد شيخ ناصح ليخرج به من حضرات رعونات النفوس ويدخل به إلى حضرات الصفاء ومحبة كل من علم أنه يحب اللّه ورسوله ، وقليل من الناس من يصبر على طول المجاهدة المذكورة ، وما نهانا الشارع عن هذه الأمور إلا شفقة علينا ومحبة لنا خوف أن ينزل علينا البلاء الذي لا مرد له ، وتندرس معالم الشريعة بذلك ، ولو لم يكن إلا أن من ارتكب شيئا من هذه الأمور لا يرفع له إلى السماء عمل لكان فيه كفاية ، فإن الشارع ألحق أعمالنا بأعمال الكفار في عدم رفعها ما دمنا متشاحنين ، وقد عم هذا البلاء غالب الخلق حتى بعض