عبد الوهاب الشعراني

63

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

على اللّه تعالى رضي اللّه تعالى عنه ، وكان الشيخ نور الدين علي الشوني يصلي العصر ثم يشتغل بالصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى الغروب ويجلس كذلك بعد الصبح ثم يختم مجلس الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم بمجلس ذكر فلكل شيخ حال بحسب ما أقامه اللّه فيه وبعضهم أقامه اللّه في المراقبة في هذين الوقتين من غير لفظ بذكر ولا بغيره ، والسر في اشتغال العبد باللّه تعالى في هذين الوقتين كون ذلك عقب تجلي الحق تعالى ، وغالب الناس يقنع بما وقع له من مدد تجلي الثلث الأخير من الليل ، وتجلي جمع القلوب على الحق تعالى في صلاة العصر مأخوذ من الضم كعصر الثوب من الماء فإذا فارق أهل اللّه تعالى ذلك التجلي حصل لهم زيادة شوق إلى اللّه تعالى حين أرخى بينه وبينهم الحجب بعد فراغ التجلي كما كان الأمر قبل التجلي ، فلما كان من الناس من ينسى اللّه تعالى بعد التجلي غار أهل اللّه تعالى من غفلة الناس عن ربهم فلذلك خص القوم تبعا للشارع هذين الوقتين بمجالس الذكر والخير ، لكون ذلك يذكر الناس باللّه تعالى . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه تعالى يقول : يفرق اللّه تعالى الأرزاق المحسوسة التي هي قوت الأجسام بعد طلوع الفجر إلى ارتفاع الشمس كرمح ، ويفرق الأرزاق المعنوية التي هي قوت الأرواح من بعد صلاة العصر إلى الغروب ا ه . وسمعته أيضا يقول : إنما أمر اللّه تعالى نبيه بالصبر مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي تقوية لقلوبهم وتنشيطا لهم ، إذا رأوه صلى اللّه عليه وسلم جالسا معهم ليحوزوا فضيلة هذين الوقتين العظيمين ا ه . فهذا ما حضرني الآن من سر تخصيص هذين الوقتين بذكر اللّه تعالى : وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وروى الترمذي . وقال حديث حسن مرفوعا : « من صلّى الفجر في جماعة ثمّ قعد يذكر اللّه تعالى حتّى تطلع الشّمس ، ثمّ صلّى ركعتين كانت له كأجر حجّة وعمرة ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : تامّة تامّة تامّة » . وفي رواية للطبراني : « انقلب بأجر حجّة وعمرة » . وروى الطبراني مرفوعا ورواته ثقات : « من صلّى الصّبح ثمّ جلس في مجلسه حتّى تمكّنت الصّلاة يعني ترتفع الشّمس كرمح كان بمنزلة حجّة وعمرة متقبّلتين » . قال ابن عمر : وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا صلى الفجر لم يقم من مجلسه حتى يمكنه الصلاة . وفي رواية للطبراني مرفوعا : « من صلّى الصّبح في جماعة ثمّ يثبت حتّى يسبّح اللّه سبحة الضّحى كان له كأجر حاجّ ومعتمر تامّا له حجّه وعمرته » . قلت : ولا يستبعد مؤمن حصول الأجر العظيم على العمل اليسير ، فإن مقادير الثواب لا تدرك بالقياس ، فللحق أن يجعل الثواب الجزيل على العمل القليل واللّه سبحانه أعلم .