عبد الوهاب الشعراني

627

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

وذلك هروبا من صحبة من لعنه اللّه تعالى أو لعنه الأئمة رضي اللّه عنهم إيثارا لجناب اللّه عز وجل ، اللهم إلا أن تكون صحبتهم نقصد بها تمهيد بساط التوبة لهم فهذا متعين كما عليه الدعاة إلى اللّه تعالى فإنهم لا يبعدون عن مستقيم ولا أعوج ، فإن المستقيم لا يجوز هجره والأعوج محتاج إلى من يقوم عوجه . وقد أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه الصلاة والسلام حين أنفت نفسه من مخالطة عصاة بني إسرائيل إيثارا لجناب اللّه عز وجل : « يا داود : المستقيم لا يحتاج إليك والأعوج قد أنفت نفسك عن مخالطته وتقويم عوجه فلماذا أرسلت » . فتنبه داود عليه الصلاة والسلام لسر حكمة إرساله ، وصار يجالس العصاة ليلا ونهارا ويسارقهم بالمواعظ ، وقد أغفل هذا الأمر خلق كثير من طلبة العلم فبعدوا عن خلطة المعوجين من الظلمة فحرموا بركة هدايتهم ، ولو أنهم قربوا منهم مع العفة عما بأيديهم من الدنيا وسارقوهم بالمواعظ لربما أثرت فيهم مواعظهم . وقد كاتبت يهوديا مرة من عمال المكس بكلام لين فأسلم : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السّارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن » . زاد في رواية أبي داود ولكن التوبة معروضة بعد ، إذ من عقل العاقل أن لا يصحب من لعنه الشارع أو الأئمة خوفا أن يلحقه من اللعن جزء ، وسيأتي بيان المراد برفع الإيمان من أصحاب هذه الصفات في العهد بعده . وروى أبو داود وابن ماجة والترمذي مرفوعا : « لعن اللّه الخمر وشاربها وساقيها ومبتاعها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه » . وزاد في رواية للترمذي : « وآكل ثمنها » . وروى أبو داود مرفوعا : « لعن اللّه اليهود قالها ثلاثا ، إنّ اللّه حرّم عليهم الشّحوم فباعوها فأكلوا أثمانها إنّ اللّه إذا حرّم على قوم أكل شيء حرّم عليهم ثمنه » . وروى الترمذي مرفوعا : « إذا فعلت أمّتي خمس عشرة خصلة نزل بها البلاء قيل وما هنّ يا رسول اللّه ؟ قال : إذا كان المغنم دولا والأمانة مغنما والزّكاة مغرما وأطاع الرّجل زوجته وعقّ الولد أمّه وبرّ صديقه وجفا أقاربه وارتفعت الأصوات في المساجد وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرّجل مخافة شرّه وشربت الخمر ولبس الحرير واتّخذت المغنّيات والمعازف ولعن آخر هذه الأمّة أوّلها فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء أو خسفا ومسخا » . وروى الحاكم مرفوعا : « من زنى أو شرب الخمر نزع اللّه منه الإيمان كما يخلع