عبد الوهاب الشعراني

622

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

أن سفيان الثوري كان يخرج إلى السوق فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، فما مات حتى صار يرى المنكر فلا ينكره فقيل له في ذلك ، فقال كان قد انفتح في الإسلام ثلمة فأردنا أن نسدها فانفتح في الإسلام ذروة وانهدمت من أركانه أركان ، ثم صار يبول الدم إلى أن مات من القهر ا ه . وبلغنا عن سلطان العلماء الشيخ عز الدين بن عبد السلام الشافعي رضي اللّه عنه أنه كان يعظ السلطان أيوب وولده السلطان الصالح وينهاهما عن المنكر فيقبلان يده ويقولان له جزاك اللّه عنا خيرا . وبلغه مرة أن غالب الأمراء الأكابر إلى الآن في الرق لم تعتقهم ساداتهم ، فقال كيف يحكم هؤلاء بين الناس ؟ فطلع إلى السلطان وقال كل من لم يأتنا بعتاقته بعناه ووضعنا ثمنه في بيت المال فباع منهم جماعة ونادى عليهم في الديوان ، ثم أعتقهم السلطان فاجتمعوا على قتله وجاؤوا بالسلاح ووقفوا على بابه فخرج إليهم فوقع السلاح من أيديهم هيبة منه ، فقال له ابنه الحمد للّه الذي لم يقتلوك ، فقال : والدك أحقر من أن يقتل في إقامة دين اللّه تعالى ا ه . فانظر حالك يا أخي الآن إذا أمرت قاضيا أو أميرا . وكذلك حكى لي شيخنا شيخ الإسلام زكريا المذكور آنفا ، أنه كان يحط على الولاة في خطبته ، ويتعرض للسلطان قايتباي بأنه ظالم غاش لرعيته ، فتكدر السلطان منه لكون ذلك على المنبر بحضرة الناس والعسكر والعوام ، ثم قال له لما انقضت الصلاة واللّه يا مولانا إنما وعظتك في الملأ مبادرة لنصحك ، ثم مسكت يده أو قلت له واللّه إني خائف على جسمك هذا أن يكون فحما في جهنم ا ه ، فهل تقدر يا أخي الآن تفعل مثل ذلك مع بعض قضاة السلطان . وقد كان الشيخ شمس الدين الدمياطي الواعظ بالأزهر يحط على السلطان الغوري على كرسي الوعظ في الجامع الأزهر ، فبلغه ذلك فأرسل وراءه بنية أنه يبطش به ، فطلع له القلعة وقال له السلام عليك أيها السلطان ، فلم يرد الغوري عليه ، فقال رد السلام واجب عليك ومن ترك الواجب فسق ، فرد السلطان السلام ثم قال له قد بلغنا أنك تحط علينا في المجالس من جهة ترك الجهاد وغيره وليس عندنا الآن مراكب ، فقال عمر لك مراكب أو استأجرها وجاهد ، فقام على السلطان الحجة ، ثم قال له يا مولانا السلطان ما جزاء من نقلك من الكفر إلى الإسلام ، ثم من الرق إلى الحرية ، ومن الجندي إلى الأمير ومن الأمير إلى السلطان ، إلا الشكر ، فقال : الحمد للّه ، ثم قال له : وعن قريب تموت ، وينزلونك في حفرة ويغرزون أنفك في التراب ، ثم تصير ترابا ثم تبعث ، ثم تحاسب وتدعي عليك جميع رعيتك في مصر والشام وقراهما ، بما أخذته أنت وعمالك منهم ظلما ، وتصير تحت أسرهم فاصفر وجه السلطان ، وارتعد فسلم الشيخ وخرج ، فلما صحا السلطان قال هاتوا الشيخ فأتوا به ، فقال ما حاجتكم ؟ فقالوا رسم السلطان لك بعشرة آلاف دينار ، فقال الشيخ للسلطان ردها إلى من ظلمتهم فيها ، ولكن إن كان مولانا السلطان يحتاج إلى مال أقرضته فإني رجل تاجر كثير المال ، فقام له السلطان وشيعه وعظمه . وكان سيدي إبراهيم المتبولي رضي اللّه عنه يقول : تغير المنكرات بالقول خاص