عبد الوهاب الشعراني
591
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
الحياء الشرعي لا يكون إلا في ترك المذمومات ، وأما ترك المأمورات فإنما ذلك قلة دين . وقد كان أخي أفضل الدين رحمه اللّه له أخت من أجمل النساء ، وكانت إذا خرجت للطريق تلبس الثياب المخرقة الوسخة وتنزع ثيابها الفاخرة المعطرة حتى ترجع إلى بيتها ، وكانت تدخل بيوت الأكابر بتلك الثياب ولا تستحي منهن ، وتقدم مصلحة دينها على حكم الطبع رضي اللّه عنها . فاعلم يا أخي ذلك وأمر به عيالك واللّه يتولى هداك . وروى أبو داود والترمذي وغيرهما مرفوعا : « كلّ عين زانية ، والمرأة إذا استعطرت فمرّت بالمجلس فهي كذا وكذا » يعني زانية . وفي رواية لابن خزيمة وابن حبان في « صحيحيهما » مرفوعا : « أيّما امرأة استعطرت فمرّت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية ، وكلّ عين زانية » . وروى ابن خزيمة في « صحيحه » مرفوعا بإسناد متصل : « لا يقبل اللّه من امرأة صلاة خرجت إلى المسجد وريحها يعصف حتّى ترجع فتغتسل » . وبوب عليه ابن خزيمة باب إيجاب الغسل على المطيبة للخروج للمسجد ونفي قبول صلاتها إن صلت قبل أن تغتسل . وروى أبو داود والنسائي مرفوعا : « أيّما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الأخيرة » . وروى ابن خزيمة مرفوعا : « يا أيّها النّاس انهوا نساءكم عن لبس الزّينة والتّبختر في المسجد ، فإنّ بني إسرائيل لم يلعنوا حتّى لبس نساؤهم الزّينة وتبخترن في المساجد » واللّه تعالى أعلم . [ النهي عن إفشاء سر الصاحب ولو إلى الزوجة : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نفشي سرا لصاحب لا لزوجة ولا لأحد من المسلمين إلا لعذر شرعي . واعلم يا أخي أنه لا يشترط في كونه سرا أن يوصينا صاحبنا على عدم إفشائه ، بل يكون سرا بالقرائن كما إذا كان يحدثنا ويلتفت يمينا وشمالا ، فنعلم بالقرائن أنه يريد منا الكتمان ، وهذا العهد قد كثرت خيانته من غالب الناس حتى صار لا يسلم من خيانته إلا القليل وذلك لكثرة انحلال القلوب وعدم ارتباطها ببعضها بعضا ، فمن أفشى سره وطلب من الناس كتمانه فهو أحمق ، وقد أنشد الإمام الشافعي رضي اللّه عنه : إذا المرء أفشى سرّه بلسانه * ولام عليه غيره فهو أحمق إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه * فصدر الّذي أودعته السّرّ أضيق