عبد الوهاب الشعراني

592

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

واعلم أن غالب الفقراء يغلب عليهم السذاجة ، فإياك أن تعطي الفقراء سرا حتى تمتحنهم غاية الامتحان فإنهم غافلون عما الناس فيه من العداوة والبغضاء والحسد ، ولا يخلو من تودعه سرك من أحد رجلين : إما ساذج كما ذكرنا وإما شيطان وكلاهما لا يؤمن على سر . وفي كلام الإمام الشافعي رضي اللّه عنه : من كتم سره كانت الخيرة في يده . وقال : من نمّ لك نم عليك ، ومن نقل إليك نقل عنك . فانظر يا أخي من تودعه سرك ، فإن رأيته ينقل عن الناس ما يسمعه منهم فاعلم أنه لا يكتم لك سرا وأنشد : أحبّ من الإخوان كلّ مؤاتي * وكلّ غضيض الطّرف عن عثراتي يساهمني في كلّ أمر أرومه * ويحفظني حيّا وبعد مماتي فمن لي بهذا ليت كنت أصبته * فقاسمته ما لي مع الحسناتي وأنشد أيضا : خبرت الدّهر ملتمسا بجهدي * أخا ثقة فأكداه التماسي تكدّرت البلاد عليّ حتّى * كأنّ أناسها ليسوا أناسي فعلم أن من كتم الأسرار ما يتعلق بعزل الولاة وأضرابهم ، فإياك أن يطلعك اللّه تعالى على شيء من أحوالهم ومن أحوال السلطان الأعظم فتخبر به الناس ، بل اصبر واكتم ذلك حتى يقع في الوجود ويشهده الخاص والعام وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وكان سيدي إبراهيم المتبولي رضي اللّه تعالى عنه يقول : إياكم وإطلاعكم الناس على ما كشف لكم من أحوال الخلق ، فإن المفشي لذلك حكمه حكم الجالس في بيت الخلاء ، مكشوف العورة مفتوح الباب ، فكل من مر عليه من العقلاء يلعنه لكشفه عورته ، وهتكه سريرته وتعريضه نفسه للقتل بذلك . وقد قال رجل من أهل الكشف مرة لرجل من الناس : رأيت فلانا مع امرأتك ، فجاء ذلك المتهوم وقتل الشيخ الذي أخبر بالزنا . وقد أنشدني شيخنا شيخ الإسلام زكريا الأنصاري نفعنا اللّه ببركاته : احفظ لسانك أيّها الإنسان * ليلدغنّك إنّه ثعبان كم في المقابر من قتيل لسانه * كانت تهاب لقاءه الشّجعان فاكتم يا أخي السر المتعلق بك وبالمسلمين واللّه يتولى هداك وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [ الأعراف : 196 ] .