عبد الوهاب الشعراني
582
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وفي رواية للطبراني وغيره : « من انصرف غريمه وهو ساخط كتب عليه في كلّ يوم وليلة وشهر وجمعة ظلم » . وروى ابن ماجة وغيره : « أنّ أعرابيّا جاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتقاضاه دينا كان عليه ، فاشتدّ عليه حتّى قال لا أخرج عنك إلّا إن قضيتني . فانتهره أصحابه فقالوا ويحك تدري من تكلّم ؟ فقال : إني أطلب حقّي ، فقال النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم : هلّا مع صاحب الحقّ كنتم ؟ » الحديث ، واللّه أعلم . [ النهي عن إطلاق البصر إلى شيء من الدنيا : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نطلق بصرنا إلى شيء من زينة الدنيا سواء الصور الجميلة والثياب الفاخرة في الأسواق والبيوت فإن خلاصه من ذلك عسير ، وفي الحديث : « كانت خطيئة أخي داود عليه السّلام النّظر » . أي سبب النظر ، وذلك أنه رفع رأسه بغير صالح نية تقدمت ، إذا الأكابر مكلفون بأن لا يقع منهم حركة ولا سكون إلا بعد تحرير نية صالحة ، وإذا نظر أحدهم إلى شيء مثلا مع غفلة أو سهو عوقب على ذلك وسمي ذلك خطيئة له ، إذ الأنبياء معصومون من كل ذنب ، وللحق تعالى أن يؤاخذهم على كل حركة وقعت على غير حضور مع الحق وشهود له . ومن هنا كان الفقراء يؤاخذون المريد على كل حركة فعلوها مع غفلة أو سهو ، فأرادوا له أن يمشي على مدرجة الأنبياء وهجروه على ذلك طلبا لترقيه فافهم ، وإياك أن تظن أن داود عليه السلام نظر إلى امرأة أجنبية ولو فجأة ، فإن ذلك لم يقع منه لعصمته ، وهذا جواب فتح اللّه به لم أره لأحد قبلي ، وهو في غاية الوضوح . ومن الأولياء من ينظر إلى جميع ما خلق من التراب بعين التراب فيراه في جميع تطوراته ترابا من ملك وأمير وصالح وطالح وقاض وفلاح وغير ذلك ، لا يراه إلّا ترابا يتكلم وينهي ويقبل ويولي ويعزل وهو تراب ، وهذا من عجائب مشاهد الأولياء ، وهو مشهدنا بحمدنا اللّه في سائر أطوار الخلق على اختلاف مراتبهم ، وما زاد على التراب فإنما هو خلع يخلعها الحق تعالى على عباده عارية مردودة ، وهنا أسرار يذوقها أهل اللّه تعالى لا تسطر في كتاب . فيحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى السلوك على يد شيخ عارف ليسد مجاري الشيطان من البدن حتى يسد عن العبد جميع مجاريه من بدنه ، وهناك لا يبقى على القلب الذي هو أمير البدن داعية إلى النظر إلى شيء من الدنيا إلا إن أمره الشارع بالنظر إليه ، وهناك يصح للعبد العمل بهذا العهد وإلا فلا يشمّ من العمل به رائحة ، وقد اختصرت لك الطريق . وقد روى الترمذي وأحمد وأبو داود أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لعلي رضي اللّه عنه : « يا عليّ إنّ لك كنزا في الجنّة وإنّك ذو قرنيها فلا تتبع النّظرة النّظرة فإنّما لك الأولى