عبد الوهاب الشعراني
580
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
ذبحت أولادها ثلاث مرات ، وخافت أني أذبحهم رابع مرة فسافرت إليك ، وأشهدك يا سيدي أني تائب إلى اللّه عز وجل عن مثل ذلك . فانظر يا أخي أولياء اللّه كيف تعرف الطيور ما عندهم من الرحمة ، وكيف علم اللّه سيدي ياقوت منطق الطير وراثة سليمانية ، فعليك يا أخي بالرحمة لكل حيوان ، واللّه يتولى هداك . وروى الترمذي والحاكم والدارقطني مرفوعا : « من فرّق بين والدة وولدها فرّق اللّه بينه وبين أحبّته يوم القيامة » . وروى ابن ماجة والدارقطني عن أبي موسى قال : « لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من فرّق بين والدة وولدها ، وبين الأخ وأخيه » . وروى الطبراني مرفوعا نحو ذلك . وسيأتي في عهد الرحمة بالبهائم : « أنّ حمامة عرّشت على رأس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : من فجع هذه في ولدها ؟ فقال شخص أنا ، فأمره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فحضّره فطار مع أمّه » الحديث بمعناه . وقد اختلف في وقت تحريم التفريق ، فقال بعضهم يحرم التفريق بين الأم وولدها حتى يميز ، وقال بعضهم حتى يبلغ ، ويقاس على ذلك بلوغ الحيوان من البهائم والطيور وغيرها وتمييزه ، وأهل الكشف يعرفون ذلك وربما عرف ذلك الصيادون للطير والكلابون مثلا . وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . [ التحذير من الدين مطلقا إلا لضرورة شرعية : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نستدين شيئا من أعز أصحابنا إلا لضرورة شرعية فلا نستدين شيئا لشهوة مأكل أو ملبس أو حج نفل مثلا أو توسع في نفقة على العيال أو ضيوف أو بناء دار أو زراعة بستان ونحو ذلك مما لا ضرورة إليه ، وهذا العهد يتعين العمل به على من اشتهر بكرم في هذا الزمان ، ويجب عليه سد بابه وإلا صار عن قريب في الحبس ، ثم يجيء الذين كانوا يجتمعون على سماطه يأكلون فيشهدون بتفليسه ويتفرقون عنه كأنهم لم يعرفوه قط . ثم إن العامل بهذا العهد لا بد له من شيخ يسلكه حتى يخرجه عن حكم الطبع عليه بحيث يراعي أوامر ربه في الإنفاق دون الخلق ، حتى لو جاء له أمير أخرج له كسرة وبصلة ولا يستحي من ذلك ، ومن لم يسلك كما ذكرنا فمن لازمه الدين وإطعام الناس رياء وسمعة ، ولولا شدة الدين في الدنيا والآخرة ما شدد الشارع فيه . وروى النسائي والحاكم : « أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول : اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الكفر والدّين ، فقال رجل : يا رسول اللّه أتعدل الكفر بالدّين ؟ قال نعم ! » .