عبد الوهاب الشعراني

579

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشّرف » . وسيأتي في عهد الزهد إن شاء اللّه تعالى زيادة على ذلك ، واللّه أعلم . [ الترهيب من خيانة الشريك : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نخون شريكنا ولا من استأمننا على شيء لا بالفعل ولا بالنية ، فإن ذلك خسارة في الدنيا والآخرة . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : من خيانة الشريك أن يعزم على أن يميز نفسه على شريكه بشيء ولو لم يفعل ، فإن البركة ترفع بمجرد هذه النية ولو لم يتخصص بشيء ، ثم يصير الشريك يحلف باللّه وبالطلاق أنه ما أخذ من ذلك شيئا ولا واكس عليه فيتحير الناس في ذلك ، والحال أن البركة ارتفعت بمجرد النية المذكورة لكونها خيانة ، وهذا العهد لا يقدر على العمل به إلا أكابر الأولياء الذين تخلقوا بالرحمة على العالم حتى صاروا أشفق على المسلمين من أنفسهم بحكم الإرث في المقام لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فعلم أن كل من لا يعلم من نفسه القدرة على عدم وقوعها في الخواطر المذكورة فليتاجر لنفسه ولا يشارك أحدا ، فإن في ذلك ضررا عليه وعلى شريكه بارتفاع البركة شاء أم أبى : وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . روى أبو داود والحاكم وغيرهما مرفوعا : « يقول اللّه أنا ثالث الشّريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه ، فإذا خان خرجت من بينهما » . زاد في رواية رزين : « وجاء الشّيطان » . وفي رواية للدارقطني : « يد اللّه على الشّريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه ، فإذا خان أحدهما صاحبه رفعها عنهما » واللّه أعلم . [ التحذير من التفريق بين والدة وولدها : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نفرق بين والدة وولدها حتى من البهائم والطيور ، وسواء كان التفريق بالبيع أو غيره رحمة بخلق اللّه ، فإن الوالدة والولد يتألم كل منهما بالفراق . « ومن لم يرحم لا يرحم » . وما رأت عيني أكثر عملا بهذا العهد من أخي أفضل الدين رحمه اللّه تعالى . كان إذا وقع عصفور صغير من عش أمه من سقف مسجد أو غيره ، يأتي بسلم من خشب ويصعد به إلى عش أمه ، ورأيته يبذل في ذلك نصف فضة لمن يطلع بالعصفور لأمه . وقد بلغني عن سيدي ياقوت العرشي رضي اللّه عنه أن حمامة جاءته في إسكندرية فجلست على كتفه وساررته ، فقال : بسم اللّه ، فقالت : هذا الوقت فطلب دابة وخرج مسافرا معها إلى مصر ، حتى بلغ جامع عمرو وهي معه ، فعرشت نحو المنارة الغربية ، فأرسل الشيخ وراء المؤذن وقال له إن هذه الحمامة جاءت بي إليك من إسكندرية سياقا على أنك لا تعود تذبح أولادها ، فقال له المؤذن صدقت يا سيدي فيما قالت : فإني