عبد الوهاب الشعراني
556
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
عدوا لا سيما إن كان عطشان في طريق الحج ، ولا نمنع دوابه من الماء والكلأ رحمة بعدونا وبالبهائم فنجيء نحن وبهائمنا مع عدونا لئلا يموت معهم عملا بأوامر الشارع صلى اللّه عليه وسلم لنا ، بأن نحب للمسلمين ما نحب لأنفسنا وخوفا من غضب الحق تعالى علينا يوم القيامة ، كما سيأتي في الأحاديث . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى شيخ يسلكه ويخرج به من حضرات رعونات النفس حتى يصير يحب الخير لكل مسلم من أعدائه فضلا عن غيرهم ، ويصير يتأسف على كل خير فاته ، وهذا العهد يقع في خيانته كثير من أهل الرعونات فأول ما يقع بينه وبين أحد من جيرانه عداوة يحجز بينه وبين أن يستقي من بئره ورأيت بعضهم ردمها حتى لا يستقي ذلك العدو منها وهذا كله من بقايا النفاق في القلب : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . روى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « ثلاثة لا يكلّمهم اللّه يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم ، رجل على فضل ماء باخلا يمنعه ابن السّبيل ، فيقول اللّه عزّ وجلّ له يوم القيامة : أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك » . وروى أبو داود : « أنّ رجلا قال : يا رسول اللّه ما الشّيء الّذي لا يحلّ منعه ؟ قال : الماء والملح والنّار » قال أبو سعيد : يعني الماء الجاري . وفي رواية لابن ماجة : « من أعطى نارا فكأنّما تصدّق بجميع ما أنضجت تلك النّار ، ومن أعطى ملحا فكأنّما تصدّق بجميع ما طيّبت تلك الملح » واللّه تعالى أعلم . [ عدم تعاطي أسباب إفطارنا على شيء في رمضان : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نتعاطى سبب إفطارنا شيئا من رمضان فنتحفظ من أسباب المرض كأن نستحم في الشتاء بالماء البارد بغير عذر شرعي وفي المرض قبل التنصل منه فيؤدي ذلك إلى المرض فنفطر ، وهذا وإن لم يقصد به المسلم الإفطار فالتحفظ منه من حزم عقل المؤمن ، وإن احتاج إلى شرب دواء أو حقنة فليجعل ذلك ليلا إلا إن قال عدل من الأطباء إن تأخير ذلك يزيده مرضا فاعلم ذلك . وروى الترمذي وأبو داود وغيرهما : « من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه صوم الدّهر كلّه إن صامه » . والأحاديث في ذلك كثيرة واللّه تعالى أعلم . [ عدم منع حليلتنا من صوم التطوع طلبا لشهوتنا : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نمنع حليلتنا من صوم التطوع طلبا لشهوة نفوسنا القوية للجماع في النهار ، ونوطن نفوسنا على الصبر إلى الليل ، إلا إذا خفنا العنت وهذا من حسن العشرة فلا نتسبب قط في نقص أجر حليلتنا . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : لا ينبغي منع الحلائل من الصوم إلا في أوقات توقع الحمل طلبا للحمل فله منعها من الصوم لتحمل ، فإذا حملت المرأة فلا ينبغي منعها من الصوم : « واللّه في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه » .