عبد الوهاب الشعراني

542

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

على الطريق التي تسهل عليه الوصول إلى درجة العمل بما علم ليكمل نفعه لنفسه وللناس ، ولا يكون كالشمعة التي تضيء على الناس وتحرق نفسها وقد قال تعالى : إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [ العنكبوت : 45 ] . أي أكبر ما فيها كتلاوة القرآن غافلا والركوع والسجود وغير ذلك والمراد بذكر اللّه هنا شهود العبد ربه بقلبه أو علمه بأنه في حضرته تعالى والحق ناظر إليه فمن صلى كذلك نهته صلاته عن الفحشاء والمنكر خارجها لاستصحاب شهوده إن اللّه تعالى يراه التي هي حضرة الإحسان ، وأما من لم يحضر في صلاته فليس معه من الحضور ذرة حتى يستصحبها خارج الصلاة ولذلك تجد خلقا كثيرا مواظبين على الصلاة ويقعون في كل فاحشة ورذيلة وهذا أولى من تفسير من قال المراد بكون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر أنه ما دام فيها من حين يحرم بها إلى أن يسلم منها لا يتصور منه معصية ، فتأمل ذلك وحرره . واعلم يا أخي أن من لم يتصور له الحضور في الصلاة فقد خسر ، واللّه لا يحب الخاسرين . وقد قال بعضهم : إن العبد لا يتنعم في الآخرة إلا بمقام حصله هنا ، وإن كل من لم يحصل مقاما في هذه الدار لا يعطاه في الآخرة : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [ المطففين : 15 ] . لحجابهم عن دخول حضرته في دار الدنيا ، وإن تفاوت حجاب المؤمن والكافر . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : لولا دخول الأولياء حضرة الإحسان ما حفظوا من المعاصي . قال : وقد دخلها الإمام الليث بن سعد ، والإمام الشافعي رضي اللّه عنهما ، فكان كل واحد منهما يقول أنا أعرف شخصا في عصرنا هذا من منذ وعى على نفسه ما أتى معصية قط فكان أصحابه يعرفون أنه يعني بذلك نفسه ، لأن أحدا لا يعرف ذلك من غيره إلا من طريق الكشف على أنه قد يحصي اللّه تعالى على عبده ما لم يخطر له على بال . ثم من المعلوم أن حضرة الإحسان لا يتصور دخول إبليس فيها أبدا ولو بحيلة من الحيل إذ لو صح دخوله لها لم يبق أحد تضاف إليه المعاصي بالوسوسة حتما ، فتعين أنه لا يدخلها وإن من وقع له وسوسة في صلاته وادعى أنه في حضرة الإحسان فهو غير صادق في دعواه ، ومن هنا عصمت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لعكوفهم في حضرة الإحسان على الدوام ، حتى في حال أكلهم وجماعهم ومزاحهم . وسمعت أخي أفضل الدين يقول لفقيه رآه يقفز في الصلاة ليصطاد النية من الهواء ، كيف تطلب النية والحضور والخشوع مع اللّه وكل عضو منك في واد مربوط بعلاقة شهوة