عبد الوهاب الشعراني

543

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

من الشهوات ، فاقطع علائقك أولا ثم صل وإلا فلا يمكنك أن تقطع علائقك كلها حال إحرامك ، ومن لازمك الالتفات لغير اللّه تعالى في صلاتك فلا يصح لك حضور ولا خشوع ا ه . وقد كان السلف الصالح رضي اللّه عنهم لا يسامحون مريدهم قط في حضور شيء من الدنيا على باله وهو الصلاة ، بل كان الجنيد رضي اللّه عنه يقول للشبلي : يا أبا بكر إن خطر في بالك من الجمعة إلى الجمعة غير اللّه فلا تعد تائبا فإنه لا يجيء منك شيء ا ه . فلا تظن يا أخي أن هذا المشهد من أعلى المقامات وإنما هو من أوائل مقامات المريدين وذلك لأن أول قدم يضعه المريد في الطريق يشهد الخالق للذوات ويحجب عن الوقوع مع اللذات كمن وصل إلى مجالسة السلطان لا يلتهي عنه بمشاهدة غلام يخدم خيل بعض جنده يحجبه بذلك الجمال البديع عن رؤية غيره . ومن كلام الجنيد رحمه اللّه من شهد الحق تعالى لم ير الخلق ، ولا يجمع بين رؤية الحق تعالى والخلق معا في آن واحد إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكمل ورثته ، وهذا الأمر لا يدرك إلا ذوقا . وقد كان الشيخ معروف الكرخي رضي اللّه عنه يقول لي ثلاثون سنة أكلم اللّه والناس يظنون أني أكلمهم . وأخبرني الشيخ يوسف الكردي من أصحاب سيدي إبراهيم المتبولي وكان يجتمع بالخضر عليه السلام كثيرا ، قال : كنت مع سيدي إبراهيم في مصر ثم رجعنا إلى بركة الحاج فمر على بستان النخيل الذي غرسه في البركة ، فقال سيدي إبراهيم ما هذه النخيل ؟ فقلنا هذا بستانكم ، فقال من غرسه فقلنا له أنتم ، فقال وعزة ربي أنا لي منذ سبعة عشر سنة ما خرجت من حضرة اللّه تعالى ، ولكن أستحي إن خطر على بالي وأنا في حضرة اللّه أن أغرس بستانا أو أبني زاوية يأوي إليها الغرباء والحجاج ، فلعل اللّه تعالى أرسل ملكا على صورتي فغرسه ، هذا لفظ علي رضي اللّه عنه . فعلم أن من لم يسلك طريق القوم فهو واقف مع شهود الخلق دون الحق ، فلا يحصل له خشوع غالبا لعدم إدراكه لتجليات الحق جل وعلا التي دكت الجبال دكا وخر منها السيد موسى عليه الصلاة والسلام صعقا . وكان سيدي علي المرصفي رحمه اللّه يقول : ما قطع بعض أهل الجدال عن الوصول إلى مقامات الأولياء وكراماتهم إلا دعواهم أنهم أعلم باللّه منهم وخوفهم على علمهم الذي به رياستهم أن ينسى حين يتبعون طريق الفقراء وهو خديعة من النفس والشيطان ، فإن طريق الفقراء لا تزيدهم إلا علما إلى علمهم وجلاء لقلوبهم وحضورا في عباداتهم ا ه . قلت : وليس مرادنا بالفقراء هؤلاء الذين ظهروا في النصف الثاني من القرن العاشر في الزوايا وعقدوا مجالس الذكر ، فإن الفقهاء بيقين أحسن من هؤلاء وأعلى مقاما