عبد الوهاب الشعراني

538

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

حين بلغ الكفار إنه سيقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب فلذلك أمرهم النبي صلى اللّه عليه وسلم بالاضطباع والرمل في الأشواط الثلاثة تكذيبا لما توهمه قريش فيهم . فعلم أن من جمع العقل والبلوغ على مذهب الصوفية والفقهاء والمحدثين فهو مأمور بالوقوف في الصف الأول ، اتفاقا . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : لا ينبغي للشخص أن يبادر ويزاحم على الصف الأول إلا إن كان سالما من العيوب الباطنة ، التي لو اطلع الناس عليها لحقروه وأخروه ، فليتنبه المصلي لمثل ذلك فإن في الحديث « صفوا كما تصف الملائكة عند ربها » أي لا يتقدم صغير على كبير ولا مطرود على مقرب بالنظر لاختلاف المراتب واعتبار المشاهد وإلا فالحق تعالى قريب من كل أحد على حد سواء كما يعرف ذلك من انكشف حجابه لتنزيهه تعالى عن التحيز ، فكما لا يتقدم الملك الأصغر في الموقف على الأكبر ، فكذلك لا يتقدم مرتكب المعاصي ولو سرا على السالم منها ولو جهرا . وتأمل يا أخي في المملكة الدنيوية لا يتقدم صغير في حضرة السلطان في موقف الكبير أبدا ، ولو أن شخصا من الصغار زاحم ودخل في غفلة مع نقباء الحضرة أخرجوه بعد ذلك وزجروه أشد الزجر . وقد قال بعض أهل الكشف : إن ترتيب المملكة السماوية على ترتيب المملكة الأرضية حتى أن الملائكة التي تكتب الحسنات تكون على يمين الداخل للحضرة الإلهية وكاتب السيئات يكون على يسار الداخل لها كما في كاتب بيت الوالي وكاتب الجيوش ، فإن كاتب السيئات دائما يجلس على يسار الداخل ولو لم يقصد معلم الجيوش الآن ذلك لجهله بالحضرات السماوية . وبالجملة فكل من العلماء والصوفية على هدى من ربهم فيما فهموه من الكتاب والسنة ولكن منهم المشدد ومنهم المخفف على الناس بحسب الأمر الغالب : وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى [ النساء : 95 ] ، ف الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ الفاتحة : 2 ] . وروى الطبراني مرفوعا : « من ترك الصّفّ الأوّل مخافة أن يؤذي أحدا أضعف اللّه له أجر الصّفّ الأوّل » . وروى الإمام أحمد ومسلم وغيرهما مرفوعا : « ليلني منكم أولو الأحلام والنّهى ثمّ الّذين يلونهم ، ثمّ الّذين يلونهم في صغر السّنّ وخفّة العقل » . فجعل الأمر بالوقوف في الصف الأول لكاملي السن والعقل ، وهو يحتمل المعنيين السابقين عن الصوفية وعن الفقهاء والمحدثين . وروى الإمام أحمد وغيره مرفوعا : « إنّ اللّه وملائكته يصلّون على أهل الصّفّ الأوّل » .