عبد الوهاب الشعراني
535
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
[ عدم التهاون بترك الاستعداد للعصر خوف الفوات : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نتهاون بترك الاستعداد للعصر خوف الفوات ولو كان من عادتنا المواظبة على الاستعداد لجميع الصلوات ، فنجعل للعصر مزيد اختصاص لأجل ما ورد من تحذير الشارع صلى اللّه عليه وسلم من تركها ، زيادة على غيرها وهي الصلاة الوسطى بإجماع أهل الكشف ، حتى كان سيدي الشيخ مدين رضي اللّه عنه ، وسيدي محمد ابن أخته ، وتلامذته الأجلاء الصالحون ، وكسيدي علي المرصفي وسيدي محمد السروي وغيرهما لا يخرجون من بيوتهم إلا لصلاة العصر ، فكانوا يصلون جماعة في البيت فيما عدا العصر أما هو فيخرجون له إلا أن يكون أحدهم في جمعية غالبة عليه ، وهي مشتقة من العصر الذي هو الضم فتجتمع أرواح الخواص في حضرة اللّه عز وجل ، حتى تكاد من شدة قربها تخرج عن الحدود البشرية ، فمن لم يعطه اللّه تعالى كشفا يعرف به مزيد اختصاصها على غيرها فليقلد الشارع صلى اللّه عليه وسلم في المبالغة في التحذير من فواتها ، فلم يأت لنا في فوات غيرها مثل ما أتانا في فواتها . وكان سيدي علي الخواص رحمه اللّه يقول : ما أهاب شيئا من الصلوات الخمس مثل ما أهاب صلاة العصر ، فقيل له : لماذا ؟ قال : السر لا يفشى . وكان أخي العارف باللّه تعالى أبو العباس الحرثي رحمه اللّه تعالى يستعد لصلاة العصر والباقي من وقت الظهر عشر درج ، فكان يستعد في الأخذ في المراقبة وغض البصر والاستغفار من الخطرات ليدخل عليه وقت العصر ولا عائق له عن دخول الحضرة : وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [ النساء : 26 ] . وروى البخاري وغيره مرفوعا : « من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله » . وفي رواية لابن ماجة مرفوعا : « باكروا بالصّلاة في يوم الغيم فإنّ من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله » . قلت : ومعنى باكروا بادروا وإلّا فالعصر لا يبكر لها أول النهار ونظير ذلك من بكر إلى المسجد يوم الجمعة ، الحديث ، فإن المراد به عند بعضهم المبادرة إلى محل إقامتها بعد سماع قول المؤذن حي على الصلاة قال وذلك أكثر أدبا ممن يحضر من غير أن يدعى للحضور على لسان المؤذن اكتفاء بالأذان العام له بالحضور قبل الوقت واللّه أعلم . وروى الإمام أحمد : « من ترك صلاة العصر متعمّدا فقد حبط عمله » . وروى مالك والشيخان وغيرهم مرفوعا : « الّذي تفوته صلاة العصر فكأنّما وتر أهله وماله » . قال مالك : ومعنى ذلك ذهاب الوقت فكأنما ذهب أهله وماله من حيث الأسف والحزن عليهم .