عبد الوهاب الشعراني

533

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

الواقفين فإنه يستأنس بالناس فلو أن الحق تعالى شرع لنا الوقوف بين يديه على الانفراد لذاب عظم المصلين مع الحضور ولحمهم فكان مشروعية الجماعة إنما هو رحمة بنا . قال : وتأمل يا أخي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما أسري به وزجه جبريل في النور وحده بين يدي اللّه عز وجل كما يليق بجلاله كيف استوحش حتى أسمعه اللّه تعالى صوتا يشبه صوت أبي بكر يقول : « يا محمّد قف فإنّ ربّك يصلّي » الحديث . فزالت تلك الوحشة الطبيعية من حيث البشرية وبقي روحا مجردا ، فزالت تلك الوحشة إذ الأرواح لا توصف بالوحشة ولا بالاستيحاش فافهم ا ه . وسمعته أيضا يقول : إنما أكره الصلاة فرادى لأني لا أعلم آداب حضرة اللّه عز وجل فإذا وقفت مع الناس ربما رأيت أحدا من أهل الأدب مع اللّه فتشبهت به ، ولو أني صليت وحدي ما وجدت أحدا يعلمني شيئا ، قال ولكل صلاة أدب جديد ، فليس هنا أدب جديد ، فليس هنا أدب يتكرر إلا في الصورة لا في الذوق ، ثم قال : واللّه ما أرى نفسي بين يدي اللّه في الصلاة إلا كالمجرد الذي استحق العقوبة ولم يقبل الملك فيه شفاعة ا ه . واعلم يا أخي أن بعض الناس قد يواظب على الجماعة رياء وسمعة ، لا امتثالا لأمر اللّه عز وجل ، فينبغي التفطن لذلك . وقد حكي أن شخصا من السلف الصالح واظب على الصلاة الجماعة في الصف الأوّل سبعا وعشرين سنة فتخلف يوما عن الصف الأول فوجد في نفسه استيحاشا من ذلك فأعاد الصلاة مدة السبع وعشرين سنة ا ه . وقد كثرت خيانة هذا العهد من جماعة من طلبة العلم ويحتجون بالمطالعة ، حتى إني رأيت شخصا في جامع الأزهر يطالع في علم المنطق وصلاة الجماعة في العصر قائمة ، فقلت له في ذلك فقال الوقت متسع ، فقلت له أما تعلم قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما سئل أي الأعمال أفضل ؟ فقال : « الصّلاة لأوّل وقتها » . ثم قلت له : وبتقدير أن الوقت متسع فهل تقدر تجمع لك جماعة يصلون معك قدر هذه الجماعة ؟ فانقطعت حجته وبقي على مطالعته فمثل هؤلاء لا يفلحون ، فإن أوامر اللّه الخاصة بأوقات ينبغي تقديمها على الأوامر العامة ، بل ربما يجب ولذلك كان الإنسان يقطع صلاة النافلة ويدخل في صلاة الجماعة إذا أقيمت مع أنه في النافلة بين يدي اللّه تعالى كل ذلك اهتماما بشأن الجماعة ، وفي الحديث : « يد اللّه مع الجماعة » . أي تأييده