عبد الوهاب الشعراني
532
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
تعالى فيه متكررا دائما ، واللّه إن أكثر الناس اليوم كالبهائم السارحة . وقد رأيت بعيني شخصا مسك امرأة ليزني بها في جامع عمر بمصر العتيق ونحن محرمون في صلاة الجمعة فغارت القدرة عليه فضربوه حتى كاد أن يموت ، فاللّه تعالى يلطف بنا أجمعين اللهم آمين . [ النهي عن التهاون بصلاة الجماعة : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نتهاون بصلاة الجماعة ونصلي فرادى إلا لعذر شرعي امتثالا لأمر اللّه عز وجل بالأصالة لا طلبا للثواب الوارد في ذلك ، فإن الثواب من لازم من يخدم اللّه عز وجل لأنه تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا ، وما كان يحصل ضمنا من سائر حظوظ النفس فلا ينبغي لعبد أن يخدم سيده لأجله وهذا الأصل يسري معك في سائر العبادات فيقصد بفعلها امتثال أمر اللّه عز وجل بذلك لا غير . فعلم أن من قصر نظره في عباداته على الثواب فهو دنيء الهمة خارج عن أدب العبودية . وكان سيدي علي الخواص رحمه اللّه يقول : لا ينبغي لجار المسجد أن يترك صلاة الجماعة في المسجد ويصلي في بيته ولو جماعة إلا لعذر من مرض أو حال غالب عليه منعه من الخروج للناس . قال : ويحتاج صاحب هذا الحال إلى ميزان دقيق ينظر به ما هو الأرجح هل هو خروجه أم عدم خروجه فليفعله فقد يكون الإنسان في جمعية بقلبه مع الحق لا يستطيع مفارقة تلك الحضرة خوفا من تفرقة قلبه وإسدال الحجاب بينه وبين تلك الحضرة إذا خرج . وكان سيدي أبو السعود الجارحي رضي اللّه عنه إذا كان في غلبة حال يصلي مع زوجته في البيت ولا يخرج للمسجد . وكان سيدي محمد بن عنان إذا مرض يخرج للجماعة زحفا ولا يترك صلاة الجماعة ، وحضرت أنا وفاته فأحرم بالصلاة خلف الإمام وهو جالس في النزع وقد مات نصفه الأسفل فصلى بالإيماء مع الإمام ، فلما سلم أضجعناه فصار يهمهم بشفتيه والسبحة في يده ، فكان آخر حركة يده في السبحة طلوع روحه رضي اللّه عنه . وكان أخي أفضل الدين رحمه اللّه يقول : لا أستطيع أن أقف بين يدي اللّه في الصلاة وحدي أبدا ، وقد وقفت بين يديه وحدي مرة فكدت أن أموت من الهيبة كما تحصل الهيبة لمن أدخلوه على السلطان وحده في مجلس حكمه والجنود مصطفة بين يديه ، وقد عمتهم كلهم الهيبة وخوف السطوة بخلاف من وقف بين يديه من جملة الناس