عبد الوهاب الشعراني
489
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
يقول : محل العمل برأي الإمام الذي لا يعرف لقوله مستند ما إذا لم نطلع على دليل يخالفه فهناك ينبغي لنا إحسان الظن بقوله ونقول لولا أنه رأى لقوله دليلا ما قاله أما إذا اطلعنا على دليل فلنا تقديم العمل به على كلام المجتهد إذا كان مثلنا من أهل النظر الصحيح ، ويحمل كلام ذلك الإمام على أنه لم يظفر بذلك الدليل ولو ظفر به لعمل به ا ه . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : يحتاج من يريد التقيد على العمل بالكتاب والسنة ويجتنب العمل بالرأي إلى التبحر في علم العربية وعلم المعاني والبيان والنحو في لغة العرب حتى يعرف مواطن طرق الاستنباط ، ويعرف أقوال العرب ومجازاتها واستعاراتها ويعرف ما يقبل التأويل من الأدلة وما لا يقبلها ا ه . قلت : وقد من اللّه تعالى علي بالاطلاع على أدلة مذاهب الأئمة الأربعة وغيرها وعرفت مستند أقوالهم في جميع أبواب الفقه فما من قول من أقوالهم إلا ورأيته مستندا إلى دليل إما إلى آية وإما إلى حديث وإما إلى أثر وإما إلى قياس صحيح على أصل صحيح وصارت مذاهب الأئمة الأربعة بحمد اللّه الآن عندي كأنها منسوجة من الشريعة المطهرة سداها ولحمتها ، كما يعرف ذلك من طالع كتابي « مختصر السنن الكبرى » للإمام البيهقي رحمه اللّه ، وكل من لم يطلع على أدلة المذاهب كما ذكرنا فلا يعرف يميز مسائل الرأي من النص ، وربما وقع في العقائد الزائغة وعمل بالمذاهب الباطلة إلا أن يحكم التقيد بمذهب محرر . وقد كان الإمام أبو القاسم الجنيد رحمه اللّه يقول : لا يكمل الرجل عندنا في طريق اللّه عز وجل حتى يكون إماما في الفقه والحديث والتصوف ، ويحقق هذه العلوم على أهلها ا ه . فعلم أنه لا ينبغي لمن يدعي العلم بالشريعة أن يكتفي بما فهمه هو منها بغير شيخ كما وقع لبعض أهل عصرنا فإنه بمجرد ما صار يفهم اشتغل بالتأليف وترك القراءة على العلماء فصار في جانب والعلماء في جانب ، وبعد عن معرفة الراجح عند علماء زمانه فخالفوه ولم ينتفع أحد بعلمه ولو أنه صبر في القراءة على الأشياخ حتى أجازوه بالفتوى والتدريس لزكوه وأقبلت الناس عليه بعد مشايخه فاعلم ذلك . وسمعت شيخنا شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه اللّه يقول : قل أن يجتمع في شخص في عصر من الأعصار علم الفقه والحديث والتصوف ، قال ولم يبلغنا أنها اجتمعت في أحد بعد الطيبي صاحب حاشية الكشاف إلى وقتنا هذا ، ومن اجتمعت فيه هذه العلوم الثلاثة فهو الذي ينبغي أن يلقب بشيخ أهل السنة والجماعة في عصره ، ومن لم يلقبه بذلك فقد ظلمه . فطالع يا أخي كتب أهل السنة المحمدية وكتب علمائها وكتب الأصوليين ورسائل الصوفية ولو سلكت الطريق على يد شيخ خوفا من أن يزل لسانك بشيء من علوم الدائرة الباطنة فينكره عليك العلماء فيقل نفعك للناس بخلاف ما إذا عرفت سياج العلماء فتصير تخرج لهم من العلوم ما يقبلونه وتكتم عنهم ما لا يقبلونه فإن رد العلماء على الصوفية